اللغة العربية أهلاً وسهلاً بكم في موقعكم المفضل لغة القرآن
الرئيسية النحو الإملاء قاموس النحو محاضرات في التربية قاموس الأدب الشعر الصرف النقد

نبذة

لو أن الأنبياء أقل إلحاحاً
بقلم الدكتور عادل الأسطة

وطن في قصيدة

الإسرائيلي يحاكم نفسه في شعر درويش

بين حلمي و بين اسمه كان موتي بطيئاً
أعراس
أحمد الزعتر
قصيدة الأرض
أربعة عناوين شخصية

آن للشاعر أن يقتل نفسه
رباعيات
هدنة مع المغول أمام غابة السنديان
سماء منخفضة
درس من كاما سوطرا
عابرون في كلام عابر
محمد ( في ذكرى الشهيد محمد الدرة ) 2001
شتاء ريتا
خطبة الهندي الأحمر
في يدي غيمة
البئر
تعاليم حورية
ليل يفيض من الجسد
عندما يبتعد

يحبونني ميتا
تصبحون على وطن
سلام عليك
أنا يوسف يا ابي
مطار أثينا
موسيقى عربية
لحن غجري
 


الشاعر محمود درويش

 

نبذة

بداية حياته :

محمود درويش الابن الثاني لعائلة تتكون من خمسة أبناء وثلاث بنات ، ولد عام 1942 في قرية البروة ( قرية فلسطينية مدمرة ، يقوم مكانها اليوم قرية احيهود ، تقع 12.5 كم شرق ساحل سهل عكا) ، وفي عام 1948 لجأ إلى لبنان وهو في السابعة من عمره وبقي هناك عام واحد ، عاد بعدها متسللا إلى فلسطين وبقي في قرية دير الأسد (شمال بلدة مجد كروم في الجليل) لفترة قصيرة استقر بعدها في قرية الجديدة (شمال غرب قريته الأم -البروة-).

تعليمه :

أكمل تعليمه الابتدائي بعد عودته من لبنان في مدرسة دير الأسد متخفيا ، فقد كان تخشى أن يتعرض للنفي من جديد إذا كشف أمر تسلله ، وعاش تلك الفترة محروما من الجنسية ، أما تعليمه الثانوي فتلقاه في قرية كفر ياسيف (2 كم شمالي الجديدة).

حياته :

انضم محمود درويش إلى الحزب الشيوعي في إسرائيل ، وبعد إنهائه تعليمه الثانوي ، كانت حياته عبارة عن كتابة للشعر والمقالات في الجرائد مثل "الاتحاد" والمجلات مثل "الجديد" التي أصبح فيما بعد مشرفا على تحريرها ، وكلاهما تابعتان للحزب الشيوعي ، كما اشترك في تحرير جريدة الفجر .

لم يسلم من مضايقات الاحتلال ، حيث اعتقل أكثر من مرّة منذ العام 1961 بتهم تتعلق بأقواله ونشاطاته السياسية ، حتى عام 1972 حيث نزح إلى مصر وانتقل بعدها إلى لبنان حيث عمل في مؤسسات النشر والدراسات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية ، وقد استقال محمود درويش من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير احتجاجا على اتفاق أوسلو.

شغل منصب رئيس رابطة الكتاب والصحفيين الفلسطينيين وحرر في مجلة الكرمل ، وأقام في باريس قبل عودته إلى وطنه حيث انه دخل إلى إسرائيل بتصريح لزيارة أمه ، وفي فترة وجوده هناك قدم بعض أعضاء الكنيست الإسرائيلي العرب واليهود اقتراحا بالسماح له بالبقاء في وطنه ، وقد سمح له بذلك.

وحصل محمود درويش على عدد من الجوائز منها:

  • جائزة لوتس عام 1969.

  • جائزة البحر المتوسط عام 1980.

  • درع الثورة الفلسطينية عام 1981.

  • لوحة أوروبا للشعر عام 1981.

  • جائزة ابن سينا في الاتحاد السوفيتي عام 1982.

  • جائزة لينين في الاتحاد السوفييتي عام 1983.

يُعد محمود درويش شاعر المقاومة الفلسطينية، ومر شعره بعدة مراحل .

 

مختارات من قصائد و دواوين محمود درويش :

  • عصافير بلا أجنحة (شعر).

  • أوراق الزيتون (شعر).

  • عاشق من فلسطين (شعر).

  • آخر الليل (شعر).

  • مطر ناعم في خريف بعيد (شعر).

  • يوميات الحزن العادي (خواطر وقصص).

  • يوميات جرح فلسطيني (شعر).

  • حبيبتي تنهض من نومها (شعر).

  • محاولة رقم 7 (شعر).

  • احبك أو لا احبك (شعر).

  • مديح الظل العالي (شعر).

  • هي أغنية ... هي أغنية (شعر).

  • لا تعتذر عما فعلت (شعر).

  • عرائس.

  • العصافير تموت في الجليل.

  • تلك صوتها وهذا انتحار العاشق.

  • حصار لمدائح البحر (شعر).

  • شيء عن الوطن (شعر).

  • ذاكرة للنسيان .

  • وداعا أيها الحرب وداعا أيها السلم (مقالات).

  • كزهر اللوز أو أبعد .

البداية

 

لو أن الأنبياء أقل إلحاحاً

وقفة مع محمود درويش في جداريته

د. عادل الأسطة *

  توقفت في مقالة إشكالية القراءة.. إشكالية النص: قراءة في سطر شعري لمحمود درويش. (1) أمام دال النبي في شعر الشاعر، وقد لاحظت أن هذا الدال ذو مدلول متغير، يعود تغيره إلى تغير مواقف الشاعر من ناحية، وتغير استخدام الدال نفسه من جماعة إلى جماعة ومن عصر إلى عصر، وآثرت إلى أن درويش نفسه اعتبر الأنبياء جميعهم أهله، ولكنه أحياناً تحدث عن أنبياء يدّعون الكذب، وهذا الحب للأنبياء والتقدير لهم، وهذا التحذير من الأنبياء أيضاً يرد في العهد القديم، فمقابل أنبياء الله الصالحين هناك تحذير من أنبياء كذبة سيأتون ليضلوا كثيراً، وفي ثقافتنا الإسلامية يُعز الرسول ويجبل، كما يعز أنبياء الله الصالحين ويجبلون، ولكننا في الوقت نفسه عرفنا مدّعي النبوة مثل مسيلمة الكذاب وآخرين، حاولوا تأليف نص أشبه، من وجهة نظرهم، بالنص القرآني.

وقد أتيت في مقالتي "وظيفة الشعر والشاعر"(2) على موقف محمود درويش من دور الشاعر ومكانته والتطور الذي طرأ على هذه خلال الأربعين عاماً الماضية، ومع ذلك، تجدني وأنا أتناول جدارية.(3) لم آت على هذا الجانب بالتفصيل، فالإشارة إلى الأنبياء أو التلميح إلى بعض سلوكهم وأدوارهم تبدو واضحة في النص وضوحاً لافتاً للنظر حيث تغري المرء بمواصلة الكتابة عن هذا الجانب، سوف أقف، ابتداءً أمام المواطن التي أشير فيها إلى النبي والأنبياء وأحصيها، لأتناول بعضها بالشرح والتفسير.

ترد مفردة نبي ورسالة وأنبياء ومسيح في الفقرات التالية:

1- سأصير يوماً كرمة،

            فليعصرني الصيف منذ الآن،

            وليشرب نبيذي العابرون على

            ثريان المكان السكري!

            أنا الرسالة والرسول

            أنا العناوين الصغيرة والبريد  (ص14)

2- غنيت كي أزن المدى المهدور

            في وجع الحمامة،

            لا لأشرح ما يقول الله للإنسان،

            لست أنا النبي لأدّعي وحياً

            وأعلن أن هاويتي صعود     (ص 22)

3- كنا طيبين وزاهدين بلا تعاليم المسيح (ص 39)

4- كنا طبيعيين لو كانت نجوم سمائنا أعلى قليلاً

من حجارة بئرنا، والأنبياء أقل إلحاحاً، فلم يسمع مدائحنا الجنود (ص 40)

5- خضراء، أرض قصيدتي خضراء

            ولي منها التشابه في كلام الأنبياء (ص 41)

6- لم نأت ساعتنا. فلا رسل يقيسون

            الزمان بقبضة العشب الأخير. هل استدار؟ ولا ملائكة يزورون

 المكان ليترك الشعراء ما فيهم على الشفق الجميل  (ص 46)

7- باطل، باطل الأباطيل… باطل كل شيء على البسيطة زائل مثلما سار المسيح على البحيرة سرت في رؤياي، لكني نزلت عن الصليب لأنني أخشى العلوّ، ولا أبشر بالقيام (ص92-100)

وترد الإشارة إلى أنبياء، بذكر الاسم أو بالإشارة إلى أحداث أو عبارات دالة في مواطن كثيرة هي:

1- ص 17، الربط بين كلام الشاعر وكلام الله (أرض قصيدتي.. كلام الله عند الفجر).

2- ص 25، استثارة النص لنا قراءتنا عن جبريل والرسول : (أنا من تقول له الحروف الغامضات: اكتب تكن، واقرأ تجد).

3- ص 43، التلميح إلى المسيح (كأنما الشاعر المسيح)، "علي أن ألج الغياب، وأن أصدق أولا قلبي وأتبعه إلى قاتل الجليل".

4- ص 48، الإشارة إلى سيدنا نوح وقصته الطوفان: (فلي عمل على ظهر السفينة. لا/ لأنقذ طائراً من جوعنا أو من/ دوار البحر، بل لأشاهد الطوفان/ عن كثب: وماذا بعد؟ ماذا/ يفعل الناجون بالأرض العتيقة؟)

5- ص 55، الإشارة إلى المباني وذكر اسم لوط: (فلي عمل على جغرافيا البركان، من أيام لوط إلى قيادة هيروشيما).

6- ص 61، الإشارة إلى صبر أيوب، حيث يخاطب الشاعر الموت: (ربما أبطأت في تدريب أيوب على الصبر الطويل).

7- ص 62، تسخير خطاب الله للرسول: (لا تكن فظاً غليظ القلب).

8- ص 70، الإشارة إلى عيسى عليه السلام: (قال طيف هامشي: "كان أوزيرين مثلك، كان مثلي، وابن مريم كان مثلك، كان مثلي").

9- ص 84، تداخل صوت الشاعر بصوت الجامعة في العهد القديم: (كل شيء، باطل، فاغتم حياتك مثلما هي).

10- ص 97، الإشارة إلى قول الرسول وربط كلامه أنا المتكلم بكلامه: (وقلت: ان مت انتبهت).

11- ص 101، الشاعر باعتباره مسلماً من المسلمين وله من النص القرآني ما للرسول وللمسلمين: (ولي شبحي وصاحبه. وآية النحاس وآية الكرسي).

وإذا ما أمعنا النظر في المواطن التي ربط فيها الشاعر مباشرة بين ذاته وبين الرسل والأنبياء، فسنجد أن العلاقة بينهما هي علاقة اتصال وانفصال، وهذه العلاقة التي تتجسد في النص نفيه تتجسد أيضاً في أشعار درويش كلها، فالعلاقة التي كانت، من حيث مهمة كل من الاثنين واحدة، وهي مهمة التغيير، اختلفت في المراحل الشعرية الأخيرة. وإذا كان درويش في بداية حياته يكتب:

ولو أن السيد المصلوب لم يكبر على عرش الصليب

ظل طفلاً ضائع الجرح جبان (ديوان- مجلد 1، ص350)

رابطاً بينه وبين النبي، وهو ما بدا أيضاً في قوله:

نحن أدرى بالشياطين التي تجعل من طفل نبياً (ديوان- مجلد 1، ص 199)

    وهو ما بدا أيضاً في كثير من قصائد "ورد أقل" (1986) "كلوا من رغيفي، واشربوا من نبيذي" ومن قبل في "مديح الظل العالي" (1983) حيث كان صوت الرسول الذي يحذر من الأخطاء وارتكابها. إذا كان درويش في بداية حياته يكتب هذا، فإنه في "جدارية" يتحلل، غير مرة، من الربط بينه وبين الرسل والأنبياء، على الأقل من حيث إدراكه لمهمته شاعراً.

            حقاً إنه قال في "جدارية":

            "ويشرب نبيذي العابرون على/  ثريا المكان السكري/ أنا الرسالة والرسول"، إلا أنه قال فيها أيضاً: "لست أنا النبي لأدّعي وحيا" و "كنا طبيعيين وزاهدين بلا تعاليم المسيح" و"لو أن الأنبياء أقل إلحاحاً" و"لكنني نزلت عن الصليب"… إلخ.

وهكذا نجد النص يحفل بتلك الازدواجية، أعني الربط ما بين الشاعر والنبي، والتحلل من إعطاء الشاعر دور النبي، وهذا ما أقر به درويش في المقابلات التي أجريت معه: "ولأن الشاعر أصبح يعي أنه ليس منقذاً وليس مخلصاً وليس مسيحاً وليس نبياً، فهذه كانت صفات الشاعر الرومانسي، فإن الشاعر الآن هو الفرد الذي يتمتع بعزلته وبكونه معزولاً لكي تتاح له فرصته أن يعيد النظر في فرديته وفي ذاته" (الشعراء، عدد 4، 5، ربيع 99، ص 19).

يرى درويش، إذن، في دوره السابق شاعراً رومانسياً، وإن كنت شخصياً أختلف معه وأرى فيه شاعراً واقعياً اشتراكياً، لأنه كان حزبياً من ناحية، حيث كان عضواً في الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح)، وكان يُسخر منه من أجل أفكار الحزب ومن أجل خدمة البسطاء من ناحية ثانية وبوعي تام، حقاً أن الرومانسيين التفتوا إلى الفئات الشعبية، خلافاً للكلاسيكيين الذين توجهوا إلى الأمراء والنبلاء، إلا أن حزبية درويش ودفاعه في الستينات عن الفكر الماركسي الذي تبناه هو ما يجعلني أصنف انتماءه في تلك المرحلة ضمن الواقعية الاشتراكية، وان رأى دارسون في واقعيته تلك ثورية رومانسية.

            كان درويش في بداية حياته يقول:

            يا قارئي!

            لا ترجُ مني الهمس!

            لا ترجُ الطرب (ديوان محمود درويش، مجلد 1، ص 7)

ويقول:

يا رفاقي الشعراء!

نحن في دنيا جديدة مات ما فات، فمن يكتب قصيدة في زمان الريح والذرّة يخلق أنبياءً (مجلد، ص53 و54)

وكان ينطلق من منطلق الشاعر الثوري الذي يرى في الشعر أداة من أدوات التغيير، فمن يكتب قصيدة في زمان الريح والذرّة يخلق أنبياء. إن الكلمات تخلق أنبياء، وهي سلاح بيد الشاعر يقاتل بها من أجل التغيير. والشاعر، هنا، مثل القائد الحزبي، ومثل النبي، عليه أن يلح إلحاحاً كبيراً على الآخرين حتى يثقفهم ويبعدهم بما ينبغي عليهم أن يفعلوه.

ولم يتغير موقف درويش إلا بعد أن ترك الحزب، ليدرك بعد تجارب أن لا جدوى من الكلمات إلا رغبة الكلمات في تغيير صاحبها، وهنا تمنى لو أن الأنبياء أقل إلحاحاً، والوعاظ في وعظهم أقل إرشاداً، والأدباء التعليميين في آدابهم أقل تعليمية، لم يعد الشاعر مثل المسيح، ولقد تخلى بمحض إرادته عن تمثل دوره، فلا المسيح ولا الأنبياء، ولا الشعراء استطاعوا أن يغيروا هذا العالم نحو الأفضل، تماماً كما أن الأحزاب التي كانت تطمح إلى عالم أفضل لم تحقق ما كانت تدعو إليه.

وقد تكون تجارب درويش التي امتدت أربعين عاماً أو يزيد هي ما دفعته إلى ذلك. لعله اكتشف أن العطار لا يستطيع أن يصلح ما أفسد الدهر، هذا الذي هو أقوى من الجميع، فما من أحد قاتل الزمن إلا قتله، وهو مثل الموت في "جدارية"، انه أقوى من الجميع، فهو القوي قاهر الجيوش، وكان درويش قد صدر مجموعته "أرى ما أريد" (1991) بالأسطر الشعرية التالية الدالة:

وأنا أنظر خلفي في هذا الليل

في أوراق الأشجار وفي أوراق العمر

وأحدّق في ذاكرة الماء وفي ذاكرة الرمل

لا أبصر في هذا الليل

إلا آخر هذا الليل

دقات الساعة تقضم عمري ثانية ثانية

لم يبق من الليل ومني وقت نتصارع فيه وعليه

لكن الليل يعود إلى ليلته

وأنا أسقط في حفرة هذا الظل  (ص 5)

وما من شك في أن هذا يحيلنا إلى ما يقوله درويش نفسه في جداريته، في لحظته الراهنة، وما يقوله الصدى الذي يعبر عن درويش يوم كان شاباً قوياً. إن ما يقوله الآن غير ما كان يقوله شاباً، ولعل تتبع أقوال الصدى في النص ومقارنتها بأقوال الصوت الحافر لدرويش يضعنا أمام الفارق الواضح بين قول درويش:

ولو أن السيد المصلوب لم يكبر على عرش الصليب

ظل طفلاً ضائع الجرح جبان

وقوله:

            لو أن الأنبياء أقل إلحاحاً

            لقد كبر الشاعر، وهو شاب، وعاش تجارب جعلته يدعو ويبشر ويحرض ويتفاءل من خلال الشعر، وكان مثل المسيح الذي كبر على عرش الصليب، ولكنه في خمسينيات عمره اكتشف عبث ذلك، ومن هنا أخذ يتمنى لو أن الأنبياء أقل إلحاحاً، وهكذا لم يعد هو شخصياً يلح في أشعاره على التغيير، وأخذ يتساءل عن جدوى القصيدة.

 

من أين تأتي الشاعرية؟!

يتساءل محمود درويش في "جدارية" عن مصدر الشاعرية ويقول:

      من أين تأتي الشاعرية؟

من ذكاء القلب، أم من فطرة الإحساس بالمجهول؟

أم من وردة حمراء في الصحراء؟

لا الشخصي شخصي ولا الكوني كوني

            وقد أحالني قوله هذا إلى عبارة كان قالها في إحدى المقابلات التي أجريت معه، ووظفها شاكر النابلسي في دراسته المعروفة: مجنون التراب: دراسة في شعر وفكر محمود درويش، والعبارة هي: "أنا اعتبر أن المصدر الأول للشعر في تجربتي الشخصية هو الواقع، وأخلق رموزي من هذا الواقع، فرموزي خاصة بي، حيث لا يستطيع الناقد أو القارئ أن يحيل رموزي إلى مرجعية سابقة. أي أنني أحول اليومي إلى رمزي. الواقع هو مصدر رئيسي لشعري" (اللقاء نشر في البيان الخليجية، 20/5/1986).

            وقد تحيلنا هذه العبارة إلى اللقاء الذي نشر مع الشاعر في مجلة "مشارف" في عددها الثالث، يوم سأله عباس بيضون عن بعض الصور الغامضة في مجموعة "لماذا تركت الحصان وحيداً"، وتحديداً الصورة التي ترد في قصيدة "تعاليم حورية":

            وخبزت للسمّاق

            عرف الديك. أعرف ما يخرب قلبك المثقوب بالطاووس

            وقد قال درويش في اللقاء عن مصدر الصوت ما يلي:

   "الصورة ليست دائماً ذات مرجع ذهني. قد أكون راجعاً من حديقة الحيوانات والطاووس. أعني ألوانه، مروحته اللونية، اخترقتني. من وظائف الشعر ـ وهذا ما تعلمناه من لوركا ـ تغيير الحواس. وقد أكون حينها أكتب هذه القصيدة، ودخل الطاووس فيها. لكني لا أعتقد أن هذا خرب القصيدة. هناك أيضاً المطبوع بعرف الديك". (ص 94)

  وحين يعقب عباس بيضيون قائلاً: "هذه الصورة ممكنة التخيل" يجيب الشاعر: "يعني أن ألوان الطاووس تخترق كأنها تثقبه. ليس عندي دفاع علمي عن هذه الصورة".

  وسنجد أن درويش، فيما بعد، وتحديداً في المقابلة التي أجريت معه ونشرت في الشعراء يقول: إن الكتابة كتابة على الكتابة، ولا توجد كتابة تبدأ من بياض. (الشعراء، عدد 4 و 5، ربيع 1999).

  ومن المؤكد أن كلام درويش هذا لا ينطبق على رموزه وصوره كلها، فقد تكون بعض الصور صدى لقراءاته السابقة، تماماً كما قد تكون بعض العبارات تكراراً لقراءاته.

 سوف أقف، في هذه المقالة، أمام بعض الصور التي وردت في أشعاره، لا التأكيد ما قاله عام (1986) أو لتأكيد ما قاله عام (1999)، وإنما للمشاركة في مساءلة الشاعر عن مصادر صوت وإبداء رأيي في هذا، ولتكن هذه الكتابة ضرباً من إتمام المقابلات أو توضيحياً لما ورد فيها، ولكنني أرغب ابتداء، في الإحالة إلى رأيين نقديين استثاراني وتذكرتهما وأنا أقرأهما وأقرأ أشعار درويش أيضاً، الأول للدكتور حسام الخطيب والثاني للإيطالي امبرتو ايكو.

 في دراسته "تقنية النص التكويني ومغامرة مع نص درويش" يعرف الخطيب النص المشعب بأنه "نص متعدد الأبعاد" وأنه "يؤمن بعداً آخر هو العلاقة بين النصوص المختلفة"، ويضيف بأن هناك بعداً آخر يتمثل في إمكان تواصل الأفراد بعضهم مع بعض وهم يعالجون النص وتضافرهم من أجل تفجير إمكانات النص (الشعر العربي في نهاية القرن، 1997، ص 73).

   "درويش ولغة الظلال"، وتوقفت فيها أمام تعدد المدلول للدال الواحد، ومن ضمن الدوال التي تناولتها دال الفراشة. ولم اعتمد في تفسير مدلول هذا الدال على ما أعرف وحسب، لقد عدت إلى المعاجم اللغوية والمعاجم المتخصصة، وأسعفتني الأخيرة في فهم ما استعصي عليّ اكتشافه، وقد قلت في نهاية دراستي ما يلي:

   "وتحتاج أشعار درويش، حتى تفهم، إلى بحث في الرموز؛ رموز المغررات ودلالاتها، فالشاعر مطلع اطلاعاً واسعاً على الثقافة العربية والإسلامية والإنسانية، وقد مرّ بتجارب غنية ومن المؤكد أن علينا أن نقر بأن ثقافة المرء غالباً ما تجد طريقاً إلى كتابته، بوعي منه أو دون وعي".

  ومن التفسيرات التي قدمتها لدالة الفراشة التفسير التالي: الفراشة هي الفدائي، وهذا حين يذهب إلى فلسطين ليقاتل من أجل تحريرها، يدرك أنه قد يستشهد، بل أن إمكانية استشهاده كبيرة جداً، إنه هنا مثل الفراشة التي تقترب من النار فتحترق. والناس يرون أن الفراشة في سلوكها هذا غبية، ولهذا قالوا: أطيش من فراشة، أغبى من فراشة، فهل الفدائي طائش؟

     والشاعر يقول: للفراشات اجتهادي ـ أي لهؤلاء الفدائيين اجتهادي وقد ورد هذا في قصيدة تتمحور حول الفدائي، وهي "أحمد الزعتر".

 والسؤال الآن: ما هي مرجعية صورة درويش هذه؟ هل المرجعية خياله أم قراءاته التي أثرت فيه؟ وهل كان واعياً لهذه القراءة أم غير واع لها؟

  لقد دفعني إلى كتابة هذا المقال قراءتي الجديدة لقصة حنا إبراهيم "متسللون"، وكنت أنوي أن أكتب عنها مقالة بمناسبة صدور الأعمال القصصية الكاملة للمؤلف، وكنت قرأت القصة من قبل وكتبت عنها في كتابي "اليهود في الأدب الفلسطيني" (1992)، ولم ألتفت وأنا أناقش دالة الفراشة في أشعار درويش إليها، ويبدو أنني نسيت جزئيات القصة وبعض تشابهها، وقد توقفت في قراءتي الجديدة أمام سطر حثني على العودة إلى أشعار درويش ودراسة الخطيب ومحاضرة "ايكو" والسطر هو:

وربما خامرها (أي سارة) شيء من الشفقة على أولئك المنكودين الذين لا ينفكون يعكرون أمن الحدود، فتشبههم بالفراش الذي يحوم حول الناس فيحترق" (أ.ب، ص 73).

 وتشبّه سارة، كما هو واضح، الفلسطينيين الذين كانوا عام 1948 يعودون إلى منازلهم تسللاً بالفراش، لأن مصير بعض هؤلاء كان القتل والموت، وهذه الصورة تتكرر في أشعار درويش "وكان صديقي يطير ويلعب مثل الفراشة حول دم (نار) ظنه زهرة و"نسافر بحثاً عن الصفر كي نستعيد صواب الفراش".

    هل قرأ درويش قصة حنا إبراهيم هذه؟ وهل ظل يتذكر هذا التشبيه أم أنه نسيه على أنه تشبيه ورد في القصة، ولكنه استهواه فظل في ذاكرته؟، وهكذا وجد التشبيه هذا صورة في أشعار الشاعر دون وعي منه على أنه ورد في نص سابق، نص كتب عام 1954، يوم لم يكن الشاعر يتجاوز الرابعة عشرة من عمره.

  هنا يمكن العودة إلى جدارية، لقد قرأ درويش القرآن والعهد القديم، وترك هذان الكتابان عليه تأثيراً واضحاً منذ بداية شبابه، ومن يقرأ جدارية يلحظ حضوراً واضحاً للنص الديني فيها، حضوراً يكاد يقترب، أحياناً، من الاقتباس شبه الحرفي. وهنا لا يتردد المرء في القول أن الكتابة هي كتابة على الكتابة، وإذا كنا في بداية هذه المقالة استشهدنا بقول درويش:         من أين تأتي الشاعرية؟      فإننا نستطيع أيضاً أن نستشهد بسطر دال تكرر مرتين ونظراً لأن هذا النص غني بعلاقاته وتركيباته وصوره، فيجدر أن يدرس من خلال علاقته بالنصوص الأخرى، لا من خلال أبعاده التاريخية والسيكولوجية والنفسية، ويقترح د. الخطيب أن يستعان بالتكنولوجيا الحديثة بالإسهام في إخراج الأدب من عزلة الرصيف.

            كما أنه يدعو إلى ربط النصوص بعضها ببعض لمعرفة تداخلاتها وتشابكاتها.

  ويأتي (امبرتو ايكو) في كتابه "التأويل بين السيميائيات والتفكيكية" (بيروت 2000) على العلاقة بين المؤلف والنص، وذلك في الفصل الثالث الذي عنوانه "بين المؤلف والنص"، ويكتب عن صلة نصه "اسم الوردة" بنصوص سابقة، كان واعياً لبعضها وهو يكتب نصه، وغير واعٍ لبعضها الآخر، وقد نبهه بعض القراء إلى أشياء لم يكن واعياً لها في أثناء إنجازه النص، ولكن ما قاله القراء كان ممكناً.

  وقرأت تحاليل نقدية يشير فيها أصحابها إلى وجود تأثيرات لم أكن واعياً بها في أثناء كتابتي للرواية، إلا أنني قد أكون قرأتها بكل تأكيد في شبابي، ومارست علي تأثيراً بشكل لا شعوري (لقد قال لي صديقي جيوريجو سالي: قد يكون بين قراءاتي القديمة روايات ديمتري ميروسكوفسكي، واعترفت له بصحة ذلك" (ص 95).

    ويأتي (ايكو) بأمثلة أكثر وهو يناقش هذا الأمر، وهذا يعني ببساطة أن نصه "اسم الوردة" كان يحفل بنصوص أخرى، وعي الكاتب بعضها، ولم يعِ بعضها الآخر، ولكن هذه ربما تركت أثراً على نصه. وهنا نعود إلى سؤال درويش: من أين تأتي الشاعرية؟ ونعود أيضاً إلى رأييه (1986 و 1999). هل المصدر الأول للشعر في تجربته الشخصية هو الواقع، أم أن كتابته هي كتابة على الكتابة؟ هل مصدر الشاعرية التجربة أم القراءة أم كلاهما معاً؟ لقد أنجزت في أيلول 1999، دراسة عنوانها "محمود في جدارية" هو: الواقعي هو الخيالي الأكيد، هذا ما تقوله له الحروف الغامضات، وهذا ما قاله الشاعر عام (1986): "وأخلق رموزي من هذا الواقع"، ومرة أخرى نجد أنفسنا أمام المقطع: "فرموزي خاصة بي، حيث لا يستطيع الناقد أو القارئ أن يحيل رموزي إلى مرجعية سابقة" ونجد أنفسنا أمام السؤال الصعب: هل هذا صحيح دائماً؟

   لقد استعنت، شخصياً، بمعجم الرموز (ما نفرد لوركر) لتفسير مدلولات بعض الدوال في أشعار درويش، وكان شاكر النابلسي قد استعان بالقراء وهو يشرح بوابات درويش الشعرية ورموزه، وكثير من التفسيرات التي وردت في معجم الرموز، وهذا يختصر الدلالات الرمزية للدال في الأدب العالمي ويوضحها، وكثير مما قاله القراء يتطابق وما أراده درويش، والسؤال هو: هل اختلاق درويش رموزه جاء من الواقع وحسب؟ أم أن الواقع نفسه صدى للماضي، وسواء أقرأ درويش مدلولات الدال الواحد أم لم يقرأها فإن الواقع يقولها، وهكذا يبدو أن ما يقوله صحيح؟

    الذين درسوا الأمثال لدى الشعوب لاحظوا أن هناك أمثالاً كثيرة تتشابه، فهل كانت الدلالات الرمزية للألوان وأسماء تصف المخلوقات والمخلوقات نفسها تتشابه؟! مجرد تساؤل واجتهاد!!

الهوامش

1- انظر مجلة "الكلمة"    رام الله، خريف 2000، عدد 6.

2- انظر جريدة "الأيام"    رام الله، 4/7/2000.

3- انظر مجلة "الشعراء" رام الله، خريف 2000، عدد 10.

* أستاذ الأدب في كلية الآداب بجامعة النجاح الوطنية .

البداية

 

وطن في قصيدة

لم يكن محمود درويش يعبث لحظة واحدة بأدوات رسالته لفرط حساسية هذه الأدوات. فأداة الشاعر الفلسطيني واحدة بطبيعته الاستثنائية، هذه الأداة هي الوطن المفقود الذي يصبح في الغياب فردوسا مفقودا"، هكذا صدر الحكم - قدريا - على محمود درويش الشاعر أن يولد فلسطينيا ليصبح لسانا لهذه الأرض التي أُفقدت عن عمد الكثير من ألسنتها.

والمتتبع لحياة محمود درويش يجدها قد مثّلت - بصورة نموذجية - أبعاد قضية شعبه على مدار ستين عاما هي مدتها، وعبر توصيفات صدقت في كل وقت على كل أفراد هذا الشعب.

مع الميلاد: عندما كنت صغيرا.. كانت الوردة داري.. والعصافير إزاري

في عام 1942 وُلد محمود درويش في قرية "البروة" بالقرب من عكا، وهي القرية التي لا يذكر منها الكثير، حيث بترت ذكرياته فجأة وهو في السادسة من عمره.

في إحدى الليالي حالكة السواد استيقظ فجأة على أصوات انفجارات بعيدة تقترب، وعلى هرج في المنزل، وخروج فجائي، وعدوٍ استمر لأكثر من ست وثلاثين ساعة تخلله اختباء في المزارع من أولئك الذين يقتلون ويحرقون ويدمرون كل ما يجدونه أمامهم "عصابات الهاجاناة".

ويستيقظ الطفل محمود درويش ليجد نفسه في مكان جديد اسمه "لبنان"، وهنا يبدأ وعيه بالقضية يتشكل من وعيه ببعض الكلمات، مثل: فلسطين، وكالات الغوث، الصليب الأحمر، المخيم، واللاجئين… وهي الكلمات التي شكّلت مع ذلك إحساسه بهذه الأرض، حين كان لاجئا فلسطينيا، وسُرقت منه طفولته وأرضه.

وفي عامه السابع عشر تسلل إلى فلسطين عبر الحدود اللبنانية، وعن هذه التجربة يقول:

"قيل لي في مساء ذات يوم.. الليلة نعود إلى فلسطين، وفي الليل وعلى امتداد عشرات الكيلومترات في الجبال والوديان الوعرة كنا نسير أنا وأحد أعمامي ورجل آخر هو الدليل، في الصباح وجدت نفسي أصطدم بجدار فولاذي من خيبة الأمل: أنا الآن في فلسطين الموعودة؟! ولكن أين هي؟ فلم أعد إلى بيتي، فقد أدركت بصعوبة بالغة أن القرية هدمت وحرقت".

هكذا عاد الشاب محمود درويش إلى قريته فوجدها قد صارت أرضا خلاء، فصار يحمل اسما جديدا هو: "لاجئ فلسطيني في فلسطين"، وهو الاسم الذي جعله مطاردًا دائما من الشرطة الإسرائيلية، فهو لا يحمل بطاقة هوية إسرائيلية؛ لأنه "متسلل".. وبالكاد وتنسيقًا مع وكالات الغوث بدأ الشاب اليافع في العمل السياسي داخل المجتمع الإسرائيلي، محاولا خلق مناخ معادٍ للممارسات الإرهابية الصهيونية، وكان من نتيجة ذلك أن صار محررا ومترجما في الصحيفة التي يصدرها الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح)، وهو الحزب الذي رفع في تلك الفترة المبكرة من الستينيات شعارا يقول: "مع الشعوب العربية.. ضد الاستعمار"، وهي الفترة ذاتها التي بدأ يقول فيها الشعر، واشتُهر داخل المجتمع العربي في فلسطين بوصفه شاعرا للمقاومة لدرجة أنه كان قادرا بقصيدته على إرباك حمَلة السلاح الصهاينة، فحينئذ كانت الشرطة الإسرائيلية تحاصر أي قرية تقيم أمسية شعرية لمحمود درويش.

وبعد سلسلة من المحاصرات، اضطر الحاكم العسكري إلى تحديد إقامته في الحي الذي يعيش فيه، فصار محظورا عليه مغادرة هذا الحي منذ غروب الشمس إلى شروقها في اليوم التالي، ظانا أنه سيكتم صوت الشاعر عبر منعه من إقامة أمسياته.

إلى المنفى: وطني على كتفي.. بقايا الأرض في جسد العروبة

وهنا بدأ محمود درويش الشاعر الشاب مرحلة جديدة في حياته بعد أن سُجن في معتقلات الصهيونية ثلاث مرات: 1961 – 1965 – 1967.

ففي مطلع السبعينيات وصل محمود درويش إلى بيروت مسبوقا بشهرته كشاعر، وعبر أعوام طويلة من التنقل كان شعره صوتا قويا يخترق أصوات انفجارات الحرب الأهلية في لبنان.

وفي عام 1977 وصلت شهرته إلى أوجها، حيث وُزع من كتبه أكثر من مليون نسخة في الوقت الذي امتلكت فيه قصائده مساحة قوية من التأثير على كل الأوساط، حتى إن إحدى قصائده (عابرون في كلام عابر) قد أثارت نقاشا حادا داخل الكنيست الإسرائيلي.

هذا التأثير الكبير أهَّله بجدارة لأن يكون عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية على الرغم من عدم انتمائه لأية جماعة أو حزب سياسي منذ مطلع السبعينيات، وقد تطورت علاقته بمنظمة التحرير حتى اختاره "عرفات" مستشارا له فيما بعد ولفترة طويلة، وقد كان وجوده عاملا مهما في توحيد صفوف المقاومة حينما كان يشتد الاختلاف، وما أكثر ما كان يشتد!.

يذكر "زياد عبد الفتاح" أحد أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير واقعة تؤكد هذا المعنى فيقول: "قرأ محمود درويش على المجلس الوطني الفلسطيني بكامل أعضائه ومراقبيه ومرافقيه وضيوفه وحرسه قصيدة: "مديح الظل العالي" فأثملهم وشغلهم عن النطاح السياسي الذي شب بينهم في تلك الجلسة.

وهذا ما جعل ياسر عرفات يحاول إقناع محمود درويش بُعيد إعلان قيام الدولة الفلسطينية في المنفى بتولي وزارة الثقافة الفلسطينية، ولكن الرد كان بالرفض، معللا هذا الرفض بأن أمله الوحيد هو العودة إلى الوطن ثم التفرغ لكتابة الشعر.

وقد عاش محمود درويش كثيرا من مآسي هذه المقاومة، وشاهد بنفسه كثيرين من أصدقائه ورفقاء كفاحه وهم يسقطون بأيدي القتلة الصهاينة، وكانت أكثر حوادث السقوط تأثيرا في نفسه حادث اغتيال "ماجد أبو شرار" في روما عام 1981، حين كانا يشاركان في مؤتمر عالمي لدعم الكتاب والصحفيين الفلسطينيين نظَّمه اتحاد الصحفيين العرب بالتعاون مع إحدى الجهات الثقافية الإيطالية.. وضع الموساد المتفجرات تحت سرير ماجد أبو شرار.. وبعد موته كتب محمود درويش في إحدى قصائده: "أصدقائي.. لا تموتوا".

كان محمود درويش مقيما في بيروت منذ مطلع السبعينيات، وعلى الرغم من تجواله المستمر إلا أنه قد اعتبرها محطة ارتكازه، كما كانت حياته في بيروت زاخرة بالنشاط الأدبي والثقافي، فقد أصدر منها في أواخر السبعينيات مجلة الكرمل التي رأس تحريرها والتي اعتبرت صوت اتحاد الكتاب الفلسطينيين.

 

تحت القصف: (بيروت.. لا)

أثناء قصف بيروت الوحشي، كان محمود درويش يعيش حياته الطبيعية، يخرج ويتنقل بين الناس تحت القصف، لم يكن يقاتل بنفسه، فهو لم يعرف يوما كيف يطلق رصاصة، لكن وجوده - وهو الشاعر المعروف - بين المقاتلين كان يرفع من معنوياتهم، وقد أثر قصف بيروت في درويش تأثيرا كبيرا على مستويات عديدة.

فعلى المستوى النفسي كانت المرة الأولى التي يحس فيها بالحنق الشديد، على الرغم من إحباطاته السابقة، وعلى المستوى الشعري أسهم هذا القصف في تخليه عن بعض غموض شعره لينزل إلى مستوى أي قارئ، فأنتج قصيدته الطويلة الرائعة "مديح الظل العالي"، معتبرا إياها قصيدة تسجيلية ترسم الواقع الأليم، وتدين العالم العربي، بل الإنسانية كلها.

وأسفر القصف عن خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت، بينما فضّل محمود درويش البقاء في بيروت، معولا على عدم أهميته بالنسبة للصهاينة، لكنه وبعد عشرين يوما من بقائه علم أنه مطلوب للتصفية، فاستطاع أن يتسلل هاربا من بيروت إلى باريس ليعود مرة أخرى إلى حقيبته وطنا متنقلا ومنفى إجباريا. وبين القاهرة وتونس وباريس عاش محمود درويش حبيس العالم المفتوح معزولا عن جنته الموعودة.. فلسطين.

لقد كان الأمل في العودة هو ما يدفعه دائما للمقاومة، والنضال والدفع إلى النضال.

كان محمود درويش دائما يحلُم بالعودة إلى أرضه يشرب منها تاريخها، وينشر رحيق شعره على العالم بعد أن تختفي رائحة البارود، لكنه حلم لم يتحقق حتى الآن!.

اتفاقات التسوية "لماذا تطيل التفاوض يا ملك الاحتضار"؟

في عام 1993 وأثناء تواجده في تونس مع المجلس الوطني الفلسطيني، أُتيح لمحمود درويش أن يقرأ اتفاق أوسلو، واختلف مع ياسر عرفات لأول مرة حول هذا الاتفاق، فكان رفضه مدويا، وعندما تم التوقيع عليه بالأحرف الأولى قدم استقالته من المجلس الوطني الفلسطيني، وشرح بعد ذلك أسباب استقالته قائلا: "إن هذا الاتفاق ليس عادلا؛ لأنه لا يوفر الحد الأدنى من إحساس الفلسطيني بامتلاك هويته الفلسطينية، ولا جغرافية هذه الهوية إنما يجعل الشعب الفلسطيني مطروحا أمام مرحلة تجريب انتقالي.. وقد أسفر الواقع والتجريب بعد ثلاث سنوات عن شيء أكثر مأساوية وأكثر سخرية، وهو أن نص أوسلو أفضل من الواقع الذي أنتجه هذا النص".

وعاد درويش في يونيو 1994 إلى فلسطين، واختار الإقامة في رام الله، وعانى مذلة الوجود في أرض تنتمي له، ويحكمها -ولا يحكمه- فيها شرطي إسرائيلي.. واستمر يقول الشعر تحت حصار الدبابات الإسرائيلية، إلى أن تم اجتياحها أخيرا، ولم يسلم هو شخصيا من هذا الاجتياح، حيث داهمت الشرطة الإسرائيلية منزله، وعبثت بأسلحته: أوراقه وأقلامه.

رحلة الإبداع "مع الشعر مجيئي … مع الشعر رحيلي"

"إذا كنا هامشيين إلى هذا الحد فكريا وسياسيا فكيف نكون جوهريين إبداعيا؟"

هكذا أجاب درويش، وهكذا يرى نفسه وسط عالم من الإبداع الجيد والمبدعين "الجوهريين"، رغم التقدير الذي يلقاه داخل وطننا العربي وخارجه الذي بلغ ذروته حين قام وفد من البرلمان العالمي للكتاب يضم وول سوينكا وخوسيه ساراماغو وفينثنثو كونسولو وبرايتن برايتنباك وخوان غويتيسولو إلى جانب كريستيان سالمون سكرتير البرلمان 24 مارس 2002 بزيارة درويش المحاصر في رام الله مثل ثلاثة ملايين من مواطنيه، وهذه الخطوة –زيارة وفد الأدباء لفلسطين- التي لم تستغل جيدا رغم أنها حدث في منتهى الأهمية – تنم عن المكانة التي يحتلها درويش على خريطة الإبداع العالمي.

وعلى هامش الزيارة كتب الكاتب الأسباني خوان غويتسولو مقالا نشره في عدد من الصحف الفرنسية والأسبانية اعتبر فيه محمود درويش أحد أفضل الشعراء العرب في القرن الحالي ويرمز تاريخه الشخصي إلى تاريخ قومه، وقال عن درويش إنه استطاع: تطوير هموم شعرية جميلة ومؤثرة احتلت فيها فلسطين موقعا مركزيا، فكان شعره التزاما بالكلمة الجوهرية الدقيقة، وليس شعرا نضاليا أو دعويا، هكذا تمكن درويش، شأنه في ذلك شأن الشعراء الحقيقيين، من ابتكار واقع لفظي يرسخ في ذهن القارئ باستقلال تام عن الموضوع أو الباعث الذي أحدثه.

وكان درويش قد شارك في الانتفاضة الأخيرة بكلماته التي لا يملك غيرها بديوان كتبه في أقل من شهر عندما كان محاصرا في رام الله، وأعلن درويش أنه كتب هذا الديوان – الذي أهدى ريعه لصالح الانتفاضة – حين كان يرى من بيته الدبابات والجنود, ويقول: "لم تكن لدي طريقة مقاومة إلا أن أكتب, وكلما كتبت أكثر كنت أشعر أن الحصار يبتعد, وكانت اللغة وكأنها تبعد الجنود لأن قوتي الوحيدة هي قوة لغوية".

وتابع قائلا "كتبت عن قوة الحياة واستمرارها وأبدية العلاقة بالأشياء والطبيعة. الطائرات تمر في السماء لدقائق ولكن الحمام دائم.. كنت أتشبث بقوة الحياة في الطبيعة للرد على الحصار الذي أعتبره زائلا؛ لأن وجود الدبابة في الطبيعة وجود ناشز وليس جزءا من المشهد الطبيعي".

اللافت أن درويش لم يخاطب رئيس الوزراء الإسرائيلي إريل شارون في أي قصيدة من قصائد الديوان. وقال درويش بشأن ذلك: إن شارون "لا يستحق قصيدة فهو يفسد اللغة.. هو متعطش للدماء ولديه حقد كبير, ولكن المشكلة في الدعم الأميركي الذي يمنحه بعد كل مجزرة وساما بأنه رجل سلام".

وما زال الشاعر ابن الستين ربيعا متفجرا يعيش تحت سماء من دخان البارود الإسرائيلي وخلف حوائط منزل صغير مهدد في كل وقت بالقصف أو الهدم، وبجسد مهدد في كل وقت بالتحول إلى غربال.. ورغم ذلك فإن كل هذا يقوي من قلمه، ويجعله أشد مقاومة.

البداية

 

الإسرائيلي يحاكم نفسه.. في شعر "درويش"

إلى قاتل..

لو تأملت وجه الضحية وفكرت..

كنت تذكرت أمك في غرفة الغاز..

كنت تحررت من حكمة البندقية وغيرت رأيك..

ما هكذا تستعاد الهوية..
هذه الكلمات تمثل مذكرة ادعاء حاول بها الشاعر "محمود درويش" دفع القاتل الإسرائيلي إلى محاكمة نفسه في إحدى قصائد ديوانه الأخير "حالة حصار" الصادر عن دار رياض نجيب الريس للطباعة.

وأكد درويش أن هذا الكتاب كتبه في أقل من شهر عندما كان محاصرا في رام الله، وصرح بأن شارون لا يستحق قصيدة فهو يفسد اللغة، هو متعطش للدماء ولديه حقد كبير، ولكن المشكلة في الدعم الأمريكي الذي يمنحه بعد كل مجزرة وساما بأنه رجل سلام.. ولكن إذا سقط شارون فمعنى ذلك أن مشروعه في الحل العسكري قد سقط أيضا.
ويصف حالة الحصار التي عاشها في مدينة رام الله في الضفة الغربية المحتلة بقصائد عدة منها:

الحصار هو الانتظار..

هو الانتظار على سلم مائل وسط العاصفة..

الحصار يحولني من مغن إلى وتر سادس في الكمان..

أيها الساهرون ألم تتعبوا من مراقبة الضوء في ملحنا..

ومن وهج الورد في جرحنا..

ألم تتعبوا أيها الساهرون..

ولكن في غمرة هذا الحصار يظهر الأمل في شعر درويش:

 بلاد على أهبة الفجر..

لن نختلف على حصة الشهداء من الأرض..

ها هم سواسية يفرشون لنا العشب كي نأتلف..

ويخاطب درويش في إحدى قصائده الجنود الإسرائيليين الذين يحاصرون المناطق الفلسطينية قائلا:

أيها الواقفون على العتبات ادخلوا..

واشربوا معنا القهوة العربية، قد تشعرون بأنكم بشر مثلنا..

أيها الواقفون على عتبات البيوت

اخرجوا من صباحاتنا نطمئن إلى أننا بشر مثلكم..

ويتناول محمود درويش في ديوانه الذي يقع في مائة صفحة من القطع الوسط - وقد خصص ريعه للانتفاضة الفلسطينية - تحديد مفهوم واضح للسلام، فيقول في إحدى القصائد:

السلام نهار أليف لطيف خفيف الخطا لا يعادي أحد..

السلام قطار يوحد سكانه العائدين أو الذاهبين إلى نزهة في ضواحي الأبد..

السلام هو الاعتراف علانية بالحقيقة..

ماذا صنعتم بطيف القتيل..

السلام هو الانصراف إلى عمل في الحديقة..

ماذا سنزرع عما قليل..

ومحمود درويش المولود في "البروة" في "الجليل" بشمال فلسطين المحتلة عام 1948 كان قد وطئ أرض فلسطين لأول مرة عام 1995، وتحديدا إلى "غزة" قبل أن يستقر في رام الله بعد قرابة ربع قرن من المنفى.

البداية


بين حلمي و بين اسمه كان موتي بطيئا
باسمها أتراجع عن حلمها. ووصلت أخيراً إلى
الحلم. كان الخريف قريباً من العشب. ضاع
اسمها بيننا... فالتقينا.
لم أسجلّ تفاصيل هذا اللقاء السريع. أحاول شرح
القصيدة كي أفهم الآن ذاك اللقاء السريع.
هي الشيء أو ضدّه، وانفجارات روحي
هي الماء والنار، كنا على البحر نمشي.
هي الفرق بيني... وبيني].
وأنا حامل لاسم أو شاعر الحلم. كان اللقاء سريعاً.
أنا الفرق بين الأصابع والكفّ. كان الربيع
قصيراً أنا الفرق بين الغصون وبين الشجر.
كنت حملها، واسمها يتضاءل. كانت تسمّى
خلايا دمي. كنت ألمها
والتقينا أخيراً.
أحاول شرح القيدة كي أفهم الآن ماذا حدث...
-
يحمل الحلم سيفاً ويقل شاعرة حين يبلغه
هكذا أخبرتني المدينة حين غفوت على ركبتيها
لم أكن حاضراً
لم أكن غائبا
كنت بين الحضور وبين الغياب
حجرا... أو سحابه
-
تشبهين الكآبة
قلت لها باختصار شديد
تشبهين الكآبة
ولكنّ صدرك صار مظاهرة العائدين من الموت...
ما كنت جنديّ هذا المكان
وثوريّ هذا الزمان
لأحمل لا فتةً، أو عصا، في الشوارع.
كان لقائي قصيراً
وكان وداعي سريعاً.
وكانت تصير إلى امرأةٍ عاطفية
فالتحمت بها
وصارت تفاصيلها ورقاً في الخريف
فلملمها عسكريّ المرور
ورتّبها في ملف الحكومة
وفي المتحف الوطني
-
تشبهين المدينة حين أكون غريباً
قلت لها باختصار شديد
تشبهين المدينة.
هل رآك الجنود على حافّة الأرض
هل هربوا منك
أم رجموك بقنبلة يدوية؟
قالت المرأة العاطفيّة :
كلّ شيء يلامس جسمي
يتحوّل
أو يتشكّل
حتى الحجارة تغدو عصافير.
قلت لها باكياً:
ولماذا أنا
أتشرّد
أو أتبدّد
بين الرياح وبين الشعوب؟
فأجابت:
في الخريف تعود العصافير من حالة البحر
-
هذا هو الوقت
-
لا وقت
وابتدأت أغنية:
في الخريف تعود العصافير من حالة البحر
هذا هو الوقت، لا وقت للوقت
هذا هو الوقت
-
ماذا تكون البقيّة؟
-
شبه دائرة أنت تكلمها
-
أذهب الآن؟
-
لا تذهب الآن. إنّ الرياح على خطأ دائما.
والمدينة أقرب.
-
المدينة أقرب !!‍‍ أنت المدينة
-
لست مدينة
أنا امرأةٌ عاطفية
هكذا قلت قبل قليل
واكتشفت الدليل
وأنت البقية
-
آه، كنت الضحيّة
فكيف أكون الدليل؟
-
وكنت أعانقها. كنت أسألها نازفاً:
أ أنت بعيدة؟
-
على بعد حلم من الآن
والحلم يحمل سيفاً. ويقتل شاعره حين يبلغه
-
كيف أكمل أغنيتي
والتفاصيل ضاعت. وضاع الدليل؟
-
انتهت صورتي
فابتدئ من ضياعك.
أموت - أحبّك
إن ثلاثة أشياء لا تنتهي:
أنت، والحبّ، والموت
قبّلت خنجرك الحلو
ثم احتميت بكفّيك
أن تقتليني
وأن توقفيني عن الموت
هذا هو الحب.
إني أحبّك حين أموت
وحين أحبّك
أشعر أني أموت
فكوني امرأة
وكوني مدينة‍
ولكن، لماذا سقطت، لماذا احترقت
بلا سببٍ؟
ولماذا ترهّلت في خيمة بدويّة؟
-
لأنك كنت تمارس موتاً بدون شهيّة
وأضافت، كأنّ القدر
يتكسّر في صوتها:
هل رأيت المدينة تذهب
أم كنت أنت الذي يتدحرج من شرفة اللّه
قافلةً من سبايا؟
هل رأيت المدينة تهرب
أم كنت أنت الذي يحتمي بالزوايا‍
المدينة لا تسقط، الناس تسقط !‍
ورويداً... رويداً تفتّت وجه المدينة
لم نحوّل حصاها إلى لغةٍ
لم نسيّج شوارعها
لم ندافع عن الباب
لم ينضج الموت فينا.
كانت الذكريات مقراً لحكام ثورتها السابقة
ومرّ ثلاثون عاماً
وألف خريف
وخمس حروب
وجئت المدينة منهزماً من جديد
كان سور المدينة يشبهني
وقلت لها:
سأحاول حبّك...
لا أذكر الآن شكل المدينة
لا أذكر اسمي
ينادونني حسب الطقس والأمزجة
لقد سقط اسمي بين تفاصيل تلك المدينة
لملمه عسكريّ المرور
ورتّبه في ملف الحكومة
-
تشبهين الهويّة حين أكون غريباً
تشبهين الهويّة.
-
ليس قلبي قرنفلةً
ليس جسمي حقلاً
-
ما تكونين؟
هل أنت أحلى النساء وأحلى المدن
-
للذي يتناسل فوق السفن
وأضافت:
بين شوك الجبال وبين أماسي الهزائم
كان مخاضي عسيراً
-
وهل عذّبوك لأجلي؟
-
عذّبوك لأجلي
-
هل عرفت الندم؟
-
النساء – المدن
قادراتٌ على الحبّ، هل أنت قادر؟
-
أحاول حبّك
لكنّ كل السلاسل
تلتفّ حول ذراعيّ حين أحاول...
هل تخونينني؟
-
حين تأتي إليّ
-
هل تموتين قبلي؟
سألتك : موتي!
-
أيجديك موتي!
-
أصير طليقاً
لأن نوافذ حبّي عبوديّةٌ
والمقابر ليست تثير اهتمام أحد
وحين تموتين
أكمل موتي.
بين حلمي وبين اسمه
كان موتي بطيئاً بطيئاً.
أموت أحبّك
إن ثلاثة أشياء لا تنتهي
أنت، والحبّ، والموت
أن تقتليني
وأن توقفيني عن الموت.
هذا هو الحبّ
...
وانتهت رحلتي فابتدأت
وهذا هو الوقت: ألا يكون لشكلك وقت.
لم تكوني مدينة
الشوارع كانت قبل
وكان الحوار نزيفاً
وكان الجبل
عسكرياً. وكان الصنوبر خنجر.
ولا امرأةً كنت
كانت ذراعاك نهرين من جثثٍ وسنابل
وكان جبينك بيد ر
وعيناك نار القبائل
وكنت أنا من مواليد عام الخروج
ونسل السلاسل.
يحمل الحلم سيفاً، ويقتل شاعره حين يبلغه -
هكذا أخبرتني المدينة حين غفوت على ركبتيها
لم أكن غائباً
لم أكن حاضراً
كنت مختفياً بالقصيدة،
إذا انفجرت من دمائي قصيدة
تصير المدينة ورداً،
كنت أمتشق الحلم من ضلعها
وأحارب نفسي
كنت أعلى يأسي
على صدرها، فتصير امرأة
كنت أعلن حبي
على صدرها، فتصير مدينة
كنت أعلن أنّ رحيلي قريب
وأنّ الرياح وأنّ الشعوب
تتعاطى جراحي حبوباً لمنع الحروب.
بين حلمي وبين اسمه
كان موتي بطيئاً
باسمها أتراجع عن حلمها. ووصلت
وكان الخريف قريباً من العشب.
ضاع اسمها بيننا... فالتقينا.
لم أسجّل تفاصيل هذا اللقاء السريع
أحاول شرح القصيدة
لأغلق دائرة الجرح والزنبقة
وأفتح جسر العلاقة بين الولادة والمشنقة
أحاول شرح القصيدة
لأفهم ذاك اللقاء السريع
أحاول
أحاول... أحاول!
البداية


أعراس

عاشق يأتي من الحرب إلى يوم الزفاف

يرتدي بدلته الأولى

ويدخل

حلبة الرقص حصاناً

من حماس وقرنفل

وعلى حبل الزغاريد يلاقي فاطمة

وتغنّي لهما

كل أشجار المنافي

ومناديل الحداد الناعمة.

ذبّل العاشق عينيه

وأعطى يده السمراء للحنّاء

والقطن النسائيّ المقدس

وعلى سقف الزغاريد تجيء الطائرات

طائرات

طائرات

تخطف العاشق من حضن الفراشة

ومناديل الحداد

وتغنّي الفتيات:

قد تزوّجت

تزوجت جميع الفتيات

يا محمّد !

وقضيت الليلة الأولى

على قرميد حيفا

يا محمد !

يا أمير العاشقين

يا محمد !

وتزوّجت الدوالي

وسياج الياسمين

يا محمد !

وتزوّجت السلالم

يا محمد !

وتقاوم

يا محمد !

وتزوّجت البلاد

يا محمد !

يا محمد !

البداية



أحمد الزعتر

ليدين من حجر وزعتر

هذا النشيد... لأحمد المنسيّ بين فراشتين

مضت الغيوم وشرّدتني

ورمت معاطفها الجبال وخبأتني

...
نازلاً من نحلة الجرح القديم إلى تفاصيل

البلاد وكانت السنة انفصال البحر عن مدن

الرماد وكنت وحدي

ثم وحدي...

آه يا وحدي؟ وأحمد

كان اغتراب البحر بين رصاصتين

مخيّماً ينمو، وينجب زعتراً ومقاتلين

وساعداً يشتد في النسيان

ذاكرةً تجيء من القطارات التي تمضي

وأرصفةً بلا مستقبلين وياسمين

كان اكتشاف الذات في العربات

أو في المشهد البحريّ

في ليل الزنازين الشقيقة

في العلاقات السريعة

والسؤال عن الحقيقة

في كلّ شيء كان أحمد يلتقي بنقيضه

عشرين عاماً كان يسأل

عشرين عاماً كان يرحل

عشرين عاماً لم تلده أمّه إلا دقائق في

إناء الموز

وانسحبت.

يريد هويةً فيصاب بالبركان،

سافرت الغيوم وشرّدتني

ورمت معاطفها الجبال وخبّأتني

أنا أحمد العربيّ قال

أنا الرصاص البرتقال الذكريات

وجدت نفسي قرب نفسي

فابتعدت عن الندى والمشهد البحريّ

تل الزعتر الخيمة

وأنا البلاد وقد أتت

وتقمّصتني

وأنا الذهاب المستمر إلى البلاد

وجدت نفسي ملء نفسي...

راح أحمد يلتقي بضلوعه ويديه

كان الخطوة – النجمة

ومن المحيط إلى الخليج، من الخليج إلى المحيط

كانوا يعدّون الرماح

وأحمد العربيّ يصعد كي يرى حيفا

ويقفز.

أحمد الآن الرهينة

تركت شوارعها المدينة

وأتت إليه

لتقتله

ومن الخليج إلى المحيط، من المحيط إلى الخليج

كانوا يعدوّن الجنازة

وانتخاب المقصلة

أنا أحمد العربيّ – فليأت الحصار

جسدي هو الأسوار – فليأت الحصار

وأنا حدود النار – فليأت الحصار

وأنا أحاصركم

أحاصركم

وصدري باب كلّ الناس – فليأت الحصار

لم تأت أغنيتي لترسم أحمد الكحليّ في الخندق

الذكريات وراء ظهري، وهو يوم الشمس والزنبق

يا أيها الولد الموزّع بين نافذتين

لا تتبادلان رسائلي

قاوم

إنّ التشابه للرمال... وأنت للأزرق

وأعدّ أضلاعي فيهرب من يدي بردى

وتتركني ضفاف النيل مبتعدا

وأبحث عن حدود أصابعي

فأرى العواصم كلّها زبدا...

وأحمد يفرك الساعات في الخندق

لم تأت أغنيتي لترسم أحمد المحروق بالأزرق

هو أحمد الكونيّ في هذا الصفيح الضيّق

المتمزّق الحالم

وهو الرصاص البرتقاليّ... البنفسجة الرصاصيّة

وهو اندلاع ظهيرة حاسم

في يوم حريّة

يا أيها الولد المكرّس للندى

قاوم ‍!

يا أيها البلد – المسدّس في دمي

قاوم ‍!

الآن أكمل فيك أغنيتي

وأذهب في حصارك

والآن أكمل فيك أسئلتي

وأولد من غبارك

فاذهب إلى قلبي تجد شعبي

شعوباً في انفجارك

...
سائراً بين التفاصيل اتكأت على مياهٍ

فانكسرت

أكلّما نهدت سفرجلةٌ نسيت حدود قلبي

والتجأت إلى حصارٍ كي أحدّد قامتي

يا أحمد العربيّ؟

لم يكذب علي الحب. لكن كلّما جاء المساء

امتصّني جرسٌ بعيدٌ

والتجأت إلى نزيفي كي أحدد صورتي

يا أحمد العربيّ.

لم أغسل دمي من خبز أعدائي

ولكن كلّما مرّت خطاي على طريقٍ

فرّت الطرق البعيدة والقريبة

كلّما آخيت عاصمةً رمتني بالحقيبة

فالتجأت إلى رصيف الحلم والأشعار

كم أمشي إلى حلمي فتسبقني الخناجر

آه من حلمي ومن روما

جميلٌ أنت في المنفى

قتيلٌ أنت في روما

وحيفا من هنا بدأت

وأحمد سلّم الكرمل

وبسملة الندى والزعتر البلدي والمنزل

لا تسرقوه من السنونو

لا تأخذوه من الندى

كتبت مراثيها العيون

وتركت قلبي للصدى

لا تسرقوه من الأبد

وتبعثروه على الصليب

فهو الخريطة والجسد

وهو اشتعال العندليب

لا تأخذوه من الحمام

لا ترسلوه إلى الوظيفة

لا ترسموا دمه وسام

فهو البنفسج في قذيفة

صاعداً نحو التئام الحلم

تتّخذ التفاصيل الرديئة شكل كمّثرى

وتنفصل البلاد عن المكاتب

والخيول عن الحقائب

للحصى عرقٌ أقبّل صمت هذا الملح

أعطي خطبة الليمون لليمون

أوقد شمعتي من جرحي المفتوح للأزهار

والسمك المجفّف

للحصى عرق ومرآةٌ

وللحطّاب قلب يمامةٍ

أنساك أحياناً لينساني رجال الأمن

يا امرأتي الجميلة تقطعين القلب والبصل

الطريّ وتذهبين إلى البنفسج

فاذكريني قبل أن أنسى يديّ

...
وصاعداً نحو التئام الحلم

تنكمش المقاعد تحت أشجاري وظلّك...

يختفي المتسلّقون على جراحك كالذباب الموسميّ

ويختفي المتفرجون على جراحك

فاذكريني قبل أن أنسى يديّ!

وللفراشات اجتهادي

والصخور رسائلي في الأرض

لا طروادة بيتي

ولا مسّادةٌ وقتي

وأصعد من جفاف الخبز والماء المصادر

من حصان ضاع في درب المطار

ومن هواء البحر أصعد

من شظايا أدمنت جسدي

واصعد من عيون القادمين إلى غروب السهل

أصعد من صناديق الخضار

وقوّة الأشياء أصعد

أنتمي لسمائي الأولى وللفقراء في كل الأزقّة

ينشدون :

صامدون

وصامدون

وصامدون

كان المخيّم جسم أحمد

كانت دمشق جفون أحمد

كان الحجاز ظلال أحمد

صار الحصار مرور أحمد فوق أفئدة الملايين الأسيرة

صار الحصار هجوم أحمد

والبحر طلقته الأخيرة!

يا خصر كلّ الريح

يا أسبوع سكّر !

يا اسم العيون ويا رخاميّ الصدى

يا أحمد المولود من حجر وزعتر

ستقول : لا

ستقول : لا

جلدي عباءة كلّ فلاح سيأتي من حقول التبغ

كي يلغي العواصم

وتقول : لا

جسدي بيان القادمين من الصناعات الخفيفة

والتردد... والملاحم

نحو اقتحام المرحلة

وتقول : لا

ويدي تحيات الزهور وقنبلة

مرفوعة كالواجب اليومي ضدّ المرحلة

وتقول لا :

يا أيها الجسد المضرّج بالسفوح

وبالشموس المقبلة

وتقول :لا

يا أيها الجسد الذي يتزوج الأمواج

فوق المقصلة

وتقول : لا

وتقول : لا

وتقول : لا !

وتموت قرب دمي وتحيا في الطحين

ونزور صمتك حين تطلبنا يداك

وحين تشعلنا اليراعه

مشت الخيول على العصافير الصغيرة

فابتكرنا الياسمين

ليغيب وجه الموت عن كلماتنا

فاذهب بعيداً في الغمام وفي الزراعة

لا وقت للمنفى وأغنيتي...

سيجرفنا زحام الموت فاذهب في الزحام

لنصاب بالوطن البسيط وباحتمال الياسمين

واذهب إلى دمك المهيّأ لا نتشارك

واذهب إلى دمي الموحّد في حصارك

لا وقت للمنفى...

وللصور الجميلة فوق جدران الشوارع والجنائز

والتمني

كتبت مراثيها الطيور وشرّدتني

ورمت معاطفها الحقول وجمعتني

فاذهب بعيداً في دمي! واذهب بعيداً في الطحين

لنصاب بالوطن البسيط وباحتمال الياسمين

يا أحمد اليوميّ!

يا اسم الباحثين عن الندى وبساطة الأسماء

يا اسم البرتقالة

يا أحمد العاديّ!

كيف محًوت هذا الفارق اللفظيّ بين الصخر والتفّاح

بين البندقية والغزالة!

لا وقت للمنفى وأغنيتي...

سنذهب في الحصار

حتى نهايات العواصم

فاذهب عميقاً في دمي

اذهب براعم

واذهب عميقاً في دمي

اذهب خواتم

واذهب عميقاً في دمي

اذهب سلالم

يا أحمد العربيّ... قاوم!

لا وقت للمنفى وأغنيتي...

سنذهب في الحصار

حتى رصيف الخبز والأمواج

تلك مساحتي ومساحة الوطن – الملازم

موتٌ أمام الحلم

أو حلم يموت على الشعار

فاذهب عميقاً في دمي واذهب عميقاً في الطحين

لنصاب بالوطن البسيط وباحتمال الياسمين

...
وله انحناءات الخريف

له وصايا البرتقال

له القصائد في النزيف

له تجاعيد الجبال

له الهتاف

له الزفاف

له المجلاّت الملوّنة

المراثي المطمئنة

ملصقات الحائط

العلم

التقدّم

فرقة الإنشاد

مرسوم الحداد

وكل شيء كل شيء كل شيء

حين يعلن وجهه للذاهبين إلى ملامح وجهه

يا أحمد المجهول!

كيف سكنتنا عشرين عاماً واختفيت

وظلّ وجهك غامضاً مثل الظهيرة

يا أحمد السريّ مثل النار والغابات

أشهر وجهك الشعبيّ فينا

واقرأ وصيّتك الأخيرة ؟

يا أيها المتفرّجون ! تناثروا في الصمت

وابتعدوا قليلاً عنه كي تجدوه فيكم

حنطةً ويدين عاريتين

وابتعدوا قليلاً عنه كي يتلو وصيّته

على الموتى إذا ماتوا

وكي يرمي ملامحه

على الأحياء إن عاشوا !

أخي أحمد !

وأنت العبد والمعبود والمعبد

متى تشهد

متى تشهد

متى تشهد ؟

البداية


قصيدة الأرض

في شهر آذار، في سنة الإنتفاضة، قالت لنا الأرض أسرارها الدموية.

في شهر آذار مرّت أمام البنفسج والبندقيّة خمس بنات.

وقفن على باب مدرسة إبتدائية، واشتعلن مع الورد والزعتر البلديّ.

افتتحن نشيد التراب.

دخلن العناق النهائي – آذار يأتي إلى الأرض من باطن الأرض يأتي، ومن رقصة الفتيات – البنفسج مال قليلاً ليعبر صوت البنات.

العصافير مدّت مناقيرها في اتّجاه النشيد وقلبي.

أنا الأرض

والأرض أنت

خديجة! لا تغلقي الباب

لا تدخلي في الغياب

سنطردهم من إناء الزهور وحبل الغسيل

سنطردهم عن حجارة هذا الطريق الطويل

سنطردهم من هواء الجليل.

وفي شهر آذار، مرّت أمام البنفسج والبندقيّة خمس بناتٍ.

سقطن على باب مدرسةٍ إبتدائيةٍ.

للطباشير فوق الأصابع لون العصافير.

في شهر آذار قالت لنا الأرض أسرارها.

-2-

أسمّي التراب امتداداً لروحي

أسمّي يديّ رصيف الجروح

أسمّي الحصى أجنحة

أسمّي العصافير لوزاً وتين

وأستلّ من تينة الصدر غصناً

وأقذفه كالحجر

وأنسف دبّابة الفاتحين.

-3-

وفي شهر آذار، قبل ثلاثين عاما وخمس حروب،

ولدت على كومة من حشيش القبور المضيء.

أبي كان في قبضة الإنجليز.

وأمي تربّي جديلتها وامتدادي على العشب.

كنت أحبّ "جراح الحبيب" و أجمعها في جيوبي، فتذبل عند الظهيرة، مرّ الرصاص على قمري الليلكي فلم ينكسر،

غير أنّ الزمان يمرّ على قمري الليلكي فيسقط سهواً...

وفي شهر آذار نمتدّ في الأرض

في شهر آذار تنتشر الأرض فينا

مواعيد غامضةً

واحتفالاً بسيطاً

ونكتشف البحر تحت النوافذ

والقمر الليلكي على السرو

في شهر آذار ندخلٌ أوّل سجنٍ وندخل أوّل حبّ

وتنهمر الذكريات على قريةً في السياج

ولدنا هناك ولم نتجاوز ظلال السفرجل

كيف تفرّين من سبلي يا ظلال السفرجل؟

في شهر آذار ندخل أوّل حبٍّ

وندخل أوّل سجنٍ

وتنبلج الذكريات عشاءً من اللغة العربية:

قال لي الحبّ يوماً: دخلت إلى الحلم وحدي فضعت وضاع بي الحلم. قلت تكاثر!

تر النهر يمشي إليك.

وفي شهر آذار تكتشف الأرض أنهارها.

-4-

بلادي البعيدة عنّي.. كقلبي!

بلادي القريبة مني.. كسجني!

لماذا أغنّي

مكاناً، ووجهي مكان؟

لماذا أغنّي

لطفل ينام على الزعفران؟

وفي طرف النوم خنجر

وأمي تناولني صدرها

وتموت أمامي

بنسمة عنبر؟

-5-

وفي شهر آذار تستيقظ الخيل

سيّدتي الأرض!

أيّ نشيدٍ سيمشي على بطنك المتموّج، بعدي؟

وأيّ نشيدٍ يلائم هذا الندى والبخور

كأنّ الهياكل تستفسر الآن عن أنبياء فلسطين في بدئها المتواصل

هذا اخضرار المدى واحمرار الحجارة-

هذا نشيدي

وهذا خروج المسيح من الجرح والريح

أخضر مثل النبات يغطّي مساميره وقيودي

وهذا نشيدي

وهذا صعود الفتى العربيّ إلى الحلم والقدس.

في شهر آذار تستيقظ الخيل.

سيّدتي الأرض!

والقمم اللّولبية تبسطها الخيل سجّادةً للصلاة السريعة

بين الرماح وبين دمي.

نصف دائرةٍ ترجع الخيل قوسا

ويلمع وجهي ووجهك حيفا وعرسا

وفي شهر آذار ينخفض البحر عن أرضنا المستطيلة مثل

حصانٍ على وتر الجنس

في شهر آذار ينتفض الجنس في شجر الساحل العربي

وللموج أن يحبس الموج ... أن يتموّج...أن

يتزوّج .. أو يتضرّح بالقطن

أرجوك سيّدتي الأرض – أن تسكنيني وأن تسكنين صهيلك

أرجوك أن تدفنيني مع الفتيات الصغيرات بين البنفسج والبندقية

أرجوك – سيدتي الأرض – أن تخصبي عمري المتمايل بين سؤالين: كيف؟ وأين؟

وهذا ربيعي الطليعي

وهذا ربيعي النهائيّ

في شهر آذار زوّجت الأرض أشجارها.

-6-

كأنّي أعود إلى ما مضى

كأنّي أسير أمامي

وبين البلاط وبين الرضا

أعيد انسجامي

أنا ولد الكلمات البسيطة

وشهيد الخريطة

أنا زهرة المشمش العائلية.

فيا أيّها القابضون على طرف المستحيل

من البدء حتّى الجليل

أعيدوا إليّ يديّ

أعيدوا إليّ الهويّة!

-7-

وفي شهر آذار تأتي الظلال حريرية والغزاة بدون ظلال

وتأتي العصافير غامضةً كاعتراف البنات

وواضحة كالحقول

العصافير ظلّ الحقول على القلب والكلمات.

خديجة!

-
أين حفيداتك الذاهبات إلى حبّهن الجديد؟

-
ذهبن ليقطفن بعض الحجارة-

قالت خديجة وهي تحثّ الندى خلفهنّ.

وفي شهر آذار يمشي التراب دماً طازجاً في الظهيرة. خمس بناتٍ يخبّئن حقلاً من القمح تحت الضفيرة. يقرأن مطلع أنشودةٍ على دوالي الخليل، ويكتبن خمس رسائل:

تحيا بلادي

من الصفر حتّى الجليل

ويحلمن بالقدس بعد امتحان الربيع وطرد الغزاة.

خديجة! لا تغلقي الباب خلفك

لا تذهبي في السحاب

ستمطر هذا النهار

ستمطر هذا النهار رصاصاً

ستمطر هذا النهار!

وفي شهر آذار، في سنة الانتفاضة، قالت لنا الأرض أسرارها الدّمويّة:

خمس بناتٍ على باب مدرسةٍ ابتدائية يقتحمن جنود المظلاّت.

يسطع بيتٌ من الشعر أخضر... أخضر.

خمس بناتٍ على باب مدرسة إبتدائيّة ينكسرن مرايا مرايا

البنات مرايا البلاد على القلب..

في شهر آذار أحرقت الأرض أزهارها.

-8-

أنا شاهد المذبحة

وشهيد الخريطة

أنا ولد الكلمات البسيطة

رأيت الحصى أجنحة

رأيت الندى أسلحة

عندما أغلقوا باب قلبي عليّاً

وأقاموا الحواجز فيّا

ومنع التجوّل

صار قلبي حارة

وضلوعي حجارة

وأطلّ القرنفل

وأطلّ القرنفل

-9-

وفي شهر آذار رائحةٌ للنباتات.

هذا زواج العناصر.

"
آذار أقسى الشهور" وأكثرها شبقاً.

أيّ سيفٍ سيعبر بين شهيقي وبين زفيري ولا يتكسّر !

هذا عناقي الزّراعيّ في ذروة الحب.

هذا انطلاقي إلى العمر.

فاشتبكي يا نباتات واشتركي في انتفاضة جسمي، وعودة حلمي إلى جسدي

سوف تنفجر الأرض حين أحقّق هذا الصراخ المكبّل بالريّ والخجل القرويّ.

وفي شهر آذار نأتي إلى هوس الذكريات، وتنمو علينا النباتات صاعدة ً في اتّجاهات كلّ البدايات.

هذا نموّ التداعي.

أسمّي صعودي إلى الزنزلخت التداعي.

رأيت فتاةً على شاطئ البحر قبل ثلاثين عاماً وقلت: أنا الموج، فابتعدت في التداعي.

رأيت شهيدين يستمعان إلى البحر:عكّا تجئ مع الموج.

عكّا تروح مع الموج. وابتعدا في التداعي.

ومالت خديجة نحو الندى، فاحترقت. خديجة! لا تغلقي الباب!

إن الشعوب ستدخل هذا الكتاب وتأفل شمس أريحا بدون طقوس.

فيا وطن الأنبياء...تكامل!

ويا وطن الزراعين.. تكامل!

ويا وطن الشهداء.. . تكامل!

ويا وطن الضائعين .. تكامل!

فكلّ شعاب الجبال امتدادٌ لهذا النشيد.

وكلّ الأناشيد فيك امتدادٌ لزيتونة زمّلتني.

-10-

مساءٌ صغيرٌ على قريةٍ مهملة

وعيناك نائمتان

أعود ثلاثين عاماً

وخمس حروبٍ

وأشهد أنّ الزمان

يخبّئ لي سنبلة

يغنّي المغنّي

عن النار والغرباء

وكان المساء مساء

وكان المغنّي يغنّي

ويستجوبونه:

لماذا تغنّي؟

يردّ عليهم:

لأنّي أغنّي

وقد فتّشوا صدره

فلم يجدوا غير قلبه

وقد فتّشوا قلبه

فلم يجدوا غير شعبه

وقد فتشوا صوته

فلم يجدوا غير حزنه

وقد فتّشوا حزنه

فلم يجدوا غير سجنه

وقد فتّشوا سجنه

فلم يجدوا غيرهم في القيود

وراء التّلال

ينام المغنّي وحيداً

وفي شهر آذار

تصعد منه الظلال

-11-

أنا الأمل والسهل والرحب – قالت لي الأرض والعشب مثل التحيّة في الفجر

هذا احتمال الذهاب إلى العمر خلف خديجة. لم يزرعوني لكي يحصدوني

يريد الهواء الجليليّ أن يتكلّم عنّي، فينعس عند خديجة

يريد الغزال الجليليّ أن يهدم اليوم سجني، فيحرس ظلّ خديجة وهي تميل على نارها.

يا خديجة! إنّي رأيت .. وصدّقت رؤياي تأخذني في مداها وتأخذني في هواها.

أنا العاشق الأبديّ، السجين البديهيّ. يقتبس البرتقال اخضراري ويصبح هاجس يافا

أنا الأرض منذ عرفت خديجة

لم يعرفوني لكي يقتلوني

بوسع النبات الجليليّ أن يترعرع بين أصابع كفّي ويرسم هذا المكان الموزّع بين اجتهادي وحبّ خديجة

هذا احتمال الذهاب الجديد إلى العمر من شهر آذار حتّى رحيل الهواء عن الأرض

هذا التراب ترابي

وهذا السحاب سحابي

وهذا جبين خديجة

أنا العاشق الأبديّ – السجين البديهيّ

رائحة الأرض توقظني في الصباح المبكّر..

قيدي الحديديّ يوقظها في المساء المبكّر

هذا احتمال الذهاب الجديد إلى العمر،

لا يسأل الذاهبون إلى العمر عن عمرهم

يسألون عن الأرض: هل نهضت

طفلتي الأرض!

هل عرفوك لكي يذبحوك؟

وهل قيّدوك بأحلامنا فانحدرت إلى جرحنا في الشتاء؟

وهل عرفوك لكي يذبحوك

وهل قيّدوك بأحلامهم فارتفعت إلى حلمنا في الربيع؟

أنا الأرض..

يا أيّها الذاهبون إلى حبّة القمح في مهدها

احرثوا جسدي!

أيّها الذاهبون إلى صخرة القدس

مرّوا على جسدي

أيّها العابرون على جسدي

لن تمرّوا

أنا الأرض في جسدٍ

لن تمرّوا

أنا الأرض في صحوها

لن تمرّوا

أنا الأرض. يا أيّها العابرون على الأرض في صحوها

لن تمرّوا

لن تمرّوا

لن تمرّوا!

البداية


أربعة عناوين شخصية

1 -
متر مربع في السجن

هو الباب، ما خلفه جنّة القلب. أشياؤنا

-
كلّ شيء لنا - تتماهى. وبابٌ هو الباب،

باب الكناية، باب الحكاية. بابٌ يهذّب أيلول.

بابٌ يعيد الحقول إلى أوّل القمح.

لا باب للباب لكنني أستطيع الدخول إلى خارجي

عاشقًا ما أراه وما لا أراه.

أفي الأرض هذا الدلال وهذا الجمال ولا باب للباب?

زنزانتي لا تضيء سوى داخلي..

وسلامٌ عليّ، سلامٌ على حائط الصوت.

ألّفت عشر قصائد في مدح حريتي ههنا أو هناك.

أحبّ فتات السماء التي تتسلل من كوّة السجن مترًا من الضوء تسبح فيه الخيول،

وأشياء أمّي الصغيرة..

رائحة البنّ في ثوبها حين تفتح باب النهار لسرب الدجاج.

أحبّ الطبيعة بين الخريف وبين الشتاء،

وأبناء سجّاننا، والمجلاّت فوق الرصيف البعيد.

وألّفت عشرين أغنيةً في هجاء المكان الذي لا مكان لنا فيه.

حرّيتي: أن أكون كما لا يريدون لي أن أكون.

وحريتي: أن أوسّع زنزانتي: أن أواصل أغنية الباب:

بابٌ هو الباب: لا باب للباب

لكنني أستطيع الخروج إلى داخلي، إلخ.. إلخ..

2 -
مقعدٌ في قطار

مناديل ليست لنا.

عاشقات الثواني الأخيرة.

ضوء المحطة.

وردٌ يضلّل قلبًا يفتّش عن معطفٍ للحنان.

دموعٌ تخون الرصيف. أساطير ليست لنا.

من هنا سافروا، هل لنا من هناك لنفرح عند الوصول?

زنابق ليست لنا كي نقبّل خط الحديد.

نسافر بحثًا عن الصّفر

لكننا لا نحبّ القطارات حين تكون المحطات منفى جديدًا.

مصابيح ليست لنا كي نرى حبّنا واقفًا في انتظار الدخان.

قطارٌ سريعٌ يقصّ البحيرات.

في كل جيبٍ مفاتيح بيتٍ وصورة عائلةٍ.

كلّ أهل القطار يعودون للأهل، لكننا لا نعود إلى أي بيتٍ.

نسافر بحثًا عن الصفر كي نستعيد صواب الفراش.

نوافذ ليست لنا، والسلام علينا بكلّ اللغات.

ترى، كانت الأرض أوضح حين ركبنا الخيول القديمة?

أين الخيول، وأين عذارى الأغاني، وأين أغاني الطبيعة فينا?

بعيدٌ أنا عن بعيدي.

ما أبعد الحبّ! تصطادنا الفتيات السريعات مثل لصوص البضائع.

ننسى العناوين فوق زجاج القطارات.

نحن الذين نحبّ لعشر دقائق لا نستطيع الرجوع إلى أي بيتٍ دخلناه.

لا نستطيع عبور الصدى مرتين.

3 -
حجرة العناية الفائقة

تدور بي الريح حين تضيق بي الأرض.

لا بدّ لي أن أطير وأن ألجم الريح،

لكنني آدميٌّ.. شعرت بمليون نايٍ يمزّق صدري.

تصبّبت ثلجًا وشاهدت قبري على راحتيّ.

تبعثرت فوق السرير.

تقيّأت.

غبت قليلاً عن الوعي.

متّ.

وصحت قبيل الوفاة القصيرة:

إني أحبّك، هل أدخل الموت من قدميك?

ومتّ.. ومتّ تمامًا،

فما أهدأ الموت لولا بكاؤك!

ما أهدأ الموت لولا يداك اللتان تدقّان صدري لأرجع من حيث متّ.

أحبك قبل الوفاة، وبعد الوفاة،

وبينهما لم أشاهد سوى وجه أمي.

هو القلب ضلّ قليلاً وعاد، سألت الحبيبة:

في أيّ قلبٍ أصبت? فمالت عليه وغطّت سؤإلى بدمعتها.

أيها القلب.. يا أيها القلب كيف كذبت عليّ وأوقعتني عن صهيلي?

لدينا كثير من الوقت، يا قلب، فاصمد

ليأتيك من أرض بلقيس هدهد.

بعثنا الرسائل.

قطعنا ثلاثين بحرًا وستين ساحل

وما زال في العمر وقتٌ لنشرد.

ويا أيها القلب، كيف كذبت على فرسٍ لا تملّ الرياح.

تمهّل لنكمل هذا العناق الأخير ونسجد.

تمهّل.. تمهّل لأعرف إن كنت قلبي أم صوتها وهي تصرخ:

خذني.

4 -
غرفة في فندق

سلامٌ على الحب يوم يجيء،

ويوم يموت، ويوم يغيّر أصحابه في الفنادق!

هل يخسر الحبّ شيئًا? سنشرب قهوتنا في مساء الحديقة.

نروي أحاديث غربتنا في العشاء.

ونمضي إلى حجرةٍ كي نتابع بحث الغريبين عن ليلةٍ من حنانٍ، [إلخ.. إلخ..].

سننسى بقايا كلام على مقعدين،

سننسى سجائرنا، ثم يأتي سوانا ليكمل سهرتنا والدخان.

سننسى قليلاً من النوم فوق الوسادة.

يأتي سوانا ويرقد في نومنا، [إلخ.. إلخ..]

كيف كنّا نصدّق أجسادنا في الفنادق?

كيف نصدّق أسرارنا في الفنادق?

يأتي سوانا، يتابع صرختنا في الظلام الذي وحّد الجسدين،

[
إلخ.. إلخ..] ولسنا سوى رقمين ينامان فوق السرير

المشاع المشاع، يقولان ما قاله عابران على الحبّ قبل قليلٍ.

ويأتي الوداع سريعًا سريعًا.

أما كان هذا اللقاء سريعًا لننسى الذين يحبوننا في فنادق أخرى?

أما قلت هذا الكلام الإباحيّ يومًا لغيري?

أما قلت هذا الكلام الإباحيّ يومًا لغيرك في فندقٍ آخر أو هنا فوق هذا السرير?

سنمشي الخطى ذاتها كي يجيء سوانا ويمشي الخطى ذاتها..

البداية


آن للشاعر أن يقتل نفسه

آن للشاعر أن يقتل نفسه

لا لشيء، بل لكي يقتل نفسه

قال : لن أسمح للنحلة أن تمتصّني .

قال : لن أسمح للفكرة أن تقتص مني .

قال : لن أسمح للمرأة أن تتركني حياً على ركبتها .

من ثلاثين سنه

يكتب الشعر وينسى . وقعنا عن جميع الأحصنه

ووجدنا الملح في حبة قمحٍ ، وهو ينساني . خسرنا الأمكنه

وهو ينساني . أنا الآخر فيه .

كلّ شيء صورةٌ فيه . أنا مرآته

كل موتٍ صورةٌ . كل جسد صورة

كل رحيل صورةٌ . كل بلد صورةٌ

قلت : كفى متنا تماماً ، أين إنسانيتي ؟ أين أنا ؟

قال : لا صورة إلا للصور

من ثلاثين شتاء

يكتب الشعر ويبني عالماً ينهار حوله

يجمع الأشلاء كي يرسم عصفوراً وباباً للفضاء

كلما انهار جدارٌ حولنا شاد بيوتاً في اللغه

كلما ضاق بنا البرّ بنى الجنة ، وامتدّ بجمله

من ثلاثين شتاء ، وهو يحيا خارجي

قال إن جئنا إلى أولى المدن

ووجدناها غياباً

وخراباً

لا تصدق

لا تطلّق

شارعاً سرنا عليه .. وإليه .

تكذب الأرض ولا يكذب حلمٌ يتدلى من يديه .

من ثلاثين خريفاً

يكتب الشعر ولا يحيا ولا يعشق إلا صوره

يدخل السجن فلا يبصر إلا قمره

يدخل الحبّ فلا يقطف إلا ثمره

قلت : ما المرأة فينا ؟ قال لي : تفاحةٌ للمغفره

أين إنسانيتي ؟ صحت

فسد الباب كي يبصرني خارجه . يصرخ بي :

من فكرةٍ في صورةٍ في سلم الإيقاع تأتي المرأة المنتظره .

آن للشاعر أن يخرج مني للأبد .

ليس قلبي من ورق

آن لي أن أفترق

عن مراياي وعن شعب الورق .

آن للنحلة أن تخرج من وردتها نحو الشفق

آن للوردة أن تخرج من شوكتها كي تحترق

آن للشوكة أن تدخل قلبي كله

كي أرى قلبي ، وكي أسم قلبي ، وأحسه .

آن للشاعر آن يقتل نفسه

لا لشيء

بل لكي يقتل نفسه

البداية


رباعيات

1

أرى ما أريد من الحقل... إني أرى

جدائل قمح تمشطها الريح، أغمض عيني:

هذا السراب يؤدي إلى النهوند

وهذا السكون يؤدي إلى اللازورد

2

أرى ما أريد من البحر... إني أرى

هبوب النوارس عند الغروب فأغمض عيني:

هذا الضياع يؤدي إلى أندلس

وهذا الشراع صلاة الحمام علي...

3

أرى ما أريد من الليل... إني أرى

نهايات هذا الممر الطويل على باب إحدى المدن

سأرمي مفكرتي في مقاهي الرصيف، سأجلس هذا الغياب

على مقعد فوق إحدى السفن.

4

أرى ما أريد من الروح: وجه الحجر

وقد حكه البرق، خضراء يا أرض... خضراء يا أرض روحي

أما كنت طفلا على حافة البئر يلعب؟

ما زلت ألعب.... هذا المدى ساحتي، والحجارة ريحي

5

أرى ما أريد من السلم... إني أرى

غزالا وعشبا، وجدول ماء... فأغمض عيني:

هذا الغزال ينام على ساعدي

وصياده نائم، قرب أولاده في مكان قصي

6

أرى ما أريد من الحرب... إني أرى

سواعد أجدادنا تعصر النبع في حجر أخضرا

وآباءنا يرثون المياه ولا يورثون، فأغمض عيني:

إن البلاد التي بين كفي من صنع كفي

7

أرى ما أريد من السجن: أيام زهره

مضت من هنا كي تدل غريبين في

على مقعد في الحديثة، أغمض عيني:

ما أوسع الأرض! ما أجمل الأرض من ثقب إبره

8

أرى ما أريد من البرق.. إني أرى

حقولا تفتت أغلالها بالنباتات، مرحى!

لأغنية اللوز بيضاء تهبط فوق دخان القرى

حماما... حماما نقاسمه قوت أطفالنا

9

أرى ما أريد من الحب ... إني أرى

خيولا ترقص سهلا، وخمسين غيتاره تتنهد

وسربا من النحل يمتص توت البراري، فأغمض عيني

حتى أرى ظلنا خلف هذا المكان المشرد.

10

أرى ما أريد من الموت: إني أحب، وينشق صدري

ويقفز مه الحصان الإروسي أبيض يركض فوق السحاب

يطير على غيمة لا نهائية ويدور مع الأزرق الأبدي...

فلا توقفوني من الموت، لا ترجعوني إلى نجمة من تراب

11

أرى ما أريد من الدم: إني رأيت القتيل

يخاطب قاتلة مذ أضاءت رصاصته قلبه: أنت لا تستطيع

من الآن أن تتذكر غيري. قتلتك سهوا، ولن تستطيع

من الآن أن تتذكر غيري... وأن تحمل ورد الربيع

12

أرى ما أريد من المسرح العبثي: الوحوش

قضاة المحاكم، قبعة الإمبراطور، أقنعة العصر،

لون السماء القديمة، راقصة القصر ، فوضى الجيوش

فأنسى الجميع، ولا أتذكر إلا الضحية خلف الستار....

13

أرى ما أريد من الشعر: كنا قديما إذا استشهد الشعراء

نشيعهم بالرياحين ثم نعود إلى شعرهم سالمين...

ولكننا في زمان المجلات والسينما والطنين نهيل التراب على شعرهم ضاحكين....

وحين نعود نراهم على بابنا واقفين...

14

أرى ما أريد من الفجر في الفجر... إني أرى

شعوبا تفتش عن خبزها بين خبز الشعوب

هو الخبز، ينسلنا من حرير النعاس، ومن قطن أحلامنا

أمن حبة القمح يبزغ فجر الحياة... وفجر الحروب؟

15

أرى ما أريد من الناس: رغبتهم في الحنين

إلى أي شيء. تباطؤهم في الذهاب إلى شغلهم

وسرعتهم في الرجوع إلى أهلهم....

وحاجتهم للتحية عند الصباح....
البداية
 

هدنة مع المغول أمام غابة السنديان

كائنات من السنديان تطيل الوقوف على التلّ.. قد

يصعد العشب من خبزنا نحوها إن تركنا المكان، وقد

يهبط اللازورد السماويّ منها إلى الظلّ فوق الحصون.

من سيملأ فخّارنا بعدنا? من يغيّر أعداءنا عندما يعرفون

أننا صاعدون إلى التلّ كي نمدح الله..

في كائناتٍ من السنديان?

كلّ شيء يدلّ على عبث الريح، لكننا لا نهبّ هباء

ربّما كان هذا النهار أخفّ علينا من الأمس، نحن الذين

قد أطالوا المكوث أمام السماء، ولم يعبدوا غير ما فقدوا

من عبادتهم. ربّما كانت الأرض أوسع من وصفها. ربما

كان هذا الطريق دخولاً مع الريح..

في غابة السنديان

الضحايا تمرّ من الجانبين، تقول كلامًا أخيرًا وتسقط في

عالمٍ واحدٍ. سوف ينتصر النسر والسنديان عليها، فلا بدّ من

هدنةٍ للشقائق في السهل كي تخفي الميتين على الجانبين، وكي

نتبادل بعض الشتائم قبل الوصول إلى التلّ. لا بدّ من

تعبٍ آدميّ يحوّل تلك الخيول إلى..

كائناتٍ من السنديان

الصدى واحدٌ في البراري: صدى. والسماء على حجر غربةٌ

علّقتها الطيور على لا نهايات هذا الفضاء، وطارت..

والصدى واحدٌ في الحروب الطويلة: أمٌّ، أبٌ، ولدٌ صدّقوا

أنّ خلف البحيرات خيلاً تعود إليهم مطهّمةً بالرجاء الأخير

فأعدّوا لأحلامهم قهوةً تمنع النوم..

في شبح السنديان

كلّ حربٍ تعلّمنا أن نحبّ الطبيعة أكثر: بعد الحصار

نعتني بالزنابق أكثر، نقطف قطن الحنان من اللوز في

شهر آذار. نزرع غاردينيا في الرخام، ونسقي نباتات جيراننا

عندما يذهبون إلى صيد غزلاننا. فمتى تضع الحرب أوزارها

كي نفكّ خصور النساء على التلّ..

من عقدة الرّمز في السنديان?

ليت أعداءنا يأخذون مقاعدنا في الأساطير، كي يعلموا

كم نحبّ الرصيف الذي يكرهون.. ويا ليتهم يأخذون

ما لنا من نحاس وبرق.. لنأخذ منهم حرير الضجر

ليت أعداءنا يقرأون رسائلنا مرتين، ثلاثًا.. ليعتذروا

للفراشة عن لعبة النار..

في غابة السنديان

كم أردنا السلام لسيّدنا في الأعالي.. لسيدنا في الكتب

كم أردنا السلام لغازلة الصوف.. للطفل قرب المغارة

لهواة الحياة.. لأولاد أعدائنا في مخابئهم.. للمغول

عندما يذهبون إلى ليل زوجاتهم، عندما يرحلون

عن براعم أزهارنا الآن.. عنّا،

وعن ورق السنديان

الحروب تعلّمنا أن نذوق الهواء وأن نمدح الماء. كم

ليلةً سوف نفرح بالحمّص الصلب والكستنا في جيوب معاطفنا?

أم سننسى مهارتنا في امتصاص الرذاذ? ونسأل: هل

كان في وسع من مات ألاّ يموت ليبدأ سيرته من هنا?

ربّما.. ربّما نستطيع مديح النبيذ ونرفع

نخبًا لأرملة السنديان

كلّ قلبٍ هنا لا يردّ على الناي يسقط في

شرك العنكبوت. تمهّل تمهّل لتسمع رجع الصدى

فوق خيل العدوّ، فإنّ المغول يحبّون خمرتنا

ويريدون أن يرتدوا جلد زوجاتنا في الليالي، وأن

يأخذوا شعراء القبيلة أسرى، وأن

يقطعوا شجر السنديان

المغول يريدوننا أن نكون كما يبتغون لنا أن نكون

حفنةً من هبوب الغبار على الصين أو فارسٍ، ويريدوننا

أن نحبّ أغانيهم كلّها كي يحلّ السلام الذي يطلبون..

سوف نحفظ أمثالهم.. سوف نغفر أفعالهم عندما يذهبون

مع هذا المساء إلى ريح أجدادهم

خلف أغنية السنديان

لم يجيئوا لينتصروا، فالخرافة ليست خرافتهم. إنهم يهبطون

من رحيل الخيول إلى غرب آسيا المريض، ولا يعرفون

أنّ في وسعنا أن نقاوم غازان - أرغون ألف سنة

بيد أن الخرافة ليست خرافته. سوف يدخل عمّا قليل

دين قتلاه كي يتعلّم منهم كلام قريش..

ومعجزة السنديان

الصّدى واحدٌ في الليالي. على قمّة الليل نحصي

النجوم على صدر سيّدنا، عمر أولادنا - كبروا سنةً بعدنا -

غنم الأهل تحت الضباب، وأعداد قتلى المغول، وأعدادنا

والصدى واحدٌ في الليالي: سنرجع يومًا، فلا بدّ من

شاعرٍ فارسيٍّ لهذا الحنين..

إلى لغة السنديان

الحروب تعلّمنا أن نحبّ التفاصيل: شكل مفاتيح أبوابنا،

أن نمشّط حنطتنا بالرموش، ونمشي خفافًا على أرضنا،

أن نقدّس ساعات قبل الغروب على شجر الزّنزلخت..

والحروب تعلّمنا أن نرى صورة الله في كل شيء، وأن

نتحمّل عبء الأساطير كي نخرج الوحش..

من قصّة السنديان

كم سنضحك من سوس خبز الحروب ومن دود ماء الحروب، إذا

ما انتصرنا نعلّق أعلامنا السود فوق حبال الغسيل

ثم نصنع منها جوارب.. أما النشيد، فلا بدّ من رفعه

في جنازات أبطالنا الخالدين.. وأما السبايا، فلا

بدّ من عتقهنّ، ولا بدّ من مطرٍ

فوق ذاكرة السنديان

خلف هذا المساء نرى ما تبقّى من الليل، عما قليل

يشرب القمر الحرّ شاي المحارب تحت الشجر

قمرٌ واحدٌ للجميع على الخندقين لهم ولنا، هل لهم

خلف تلك الجبال بيوتٌ من الطين، شايٌ، ونايٌ? وهل

عندهم حبقٌ مثلنا يرجع الذاهبين من الموت...

في غابة السنديان?

..
وأخيرًا، صعدنا إلى التلّ. ها نحن نرتفع الآن

فوق جذوع الحكاية.. ينبت عشبٌ جديد على دمنا وعلى دمهم.

سوف نحشو بنادقنا بالرياحين، سوف نطوّق أعناق ذاك

الحمام بأوسمة العائدين.. ولكننا

لم نجد أحدًا يقبل السّـلم.. لا نحن نحن ولا غيرنا غيرنا

البنادق مكسورة.. والحمام يطير بعيدًا بعيدًا

لم نجد أحدًا ههنا..

لم نجد أحدًا..

لم نجد غابة السنديان!
البداية
 

سماء منخفضة

هنالك حبٌّ يسير على قدميه الحريريّتين

سعيدًا بغربته في الشوارع،

حبٌّ صغيرٌ فقيرٌ يبلّله مطرٌ عابرٌ

فيفيض على العابرين:

(
هداياي أكبر منّي

كلوا حنطتي

واشربوا خمرتي

فسمائي على كتفيّ وأرضي لكم )...

هل شممت دم الياسمين المشاع

وفكّرت بي

وانتظرت معي طائرًا أخضر الذيل

لا اسم له?

هنالك حبٌّ فقيرٌ يحدّق في النهر

مستسلمًا للتداعي: إلى أين تركض

يا فرس الماء?

عما قليل سيمتصّك البحر

فامش الهوينى إلى موتك الاختياريّ،

يا فرس الماء!

هل كنت لي ضفّتين

وكان المكان كما ينبغي أن يكون

خفيفًا خفيفًا على ذكرياتك ?

أيّ الأغاني تحبّين ?

أيّ الأغاني? أتلك التي

تتحدّث عن عطش الحبّ،

أم عن زمانٍ مضى ?

هنالك حبّ فقير، ومن طرفٍ واحدٍ

هادئٌ هادئٌ لا يكسّر

بلّور أيّامك المـنتقاة

ولا يوقد النار في قمرٍ باردٍ

في سريرك،

لا تشعرين به حين تبكين من هاجسٍ،

ربّما بدلاً منه،

لا تعرفين بماذا تحسّين حين تضمّين

نفسك بين ذراعيك!

أيّ الليالي تريدين ? أيّ الليالي ?

وما لون تلك العيون التي تحلمين

بها عندما تحلمين?

هنالك حبٌّ فقيرٌ، ومن طرفين

يقلّل من عدد اليائسين

ويرفع عرش الحمام على الجانبين.

عليك، إذًا، أن تقودي بنفسك

هذا الربيع السريع إلى من تحبّين

أيّ زمانٍ تريدين ? أيّ زمان ?

لأصبح شاعره، هكذا هكذا: كلّما

مضت امرأةٌ في المساء إلى سرّها

وجدت شاعرًا سائرًا في هواجسها.

كلّما غاص في نفسه شاعرٌ

وجد امرأةً تتعرّى أمام قصيدته...

أيّ منفىً تريدين?

هل تذهبين معي، أم تسيرين وحدك

في اسمك منفًى يكلّل منفًى

بلألائه ?

هنالك حبٌّ يمرّ بنا،

دون أن ننتبه،

فلا هو يدري ولا نحن ندري

لماذا تشرّدنا وردةٌ في جدارٍ قديم

وتبكي فتاةٌ على موقف الباص،

تقضم تفّاحةً ثم تبكي وتضحك:

(
لا شيء، لا شيء أكثر

من نحلةٍ عبرت في دمي...

هنالك حبّ فقيرٌ، يطيل

التأمّل في العابرين، ويختار

أصغرهم قمرًا: أنت في حاجةٍ

لسماءٍ أقلّ ارتفاعًا،

فكن صاحبي تتّسع

لأنانيّة اثنين لا يعرفان

لمن يهديان زهورهما...

ربّما كان يقصدني، ربّما

كان يقصدنا دون أن ننتبه

هنالك حبّ ...
البداية
 

درس من كاما سوطرا

بكأس الشراب المرصّع باللازورد

انتظرها،

على بركة الماء حول المساء وزهر الكولونيا

انتظرها،

بصبر الحصان المعدّ لمنحدرات الجبال

انتظرها،

بذوق الأمير الرفيع البديع

انتظرها،

بسبع وسائد محشوّةٍ بالسحاب الخفيف

انتظرها

بنار البخور النسائيّ ملء المكان

انتظرها،

برائحة الصّندل الذّكريّة حول ظهور الخيول

انتظرها،

ولا تتعجّل، فإن أقبلت بعد موعدها

فانتظرها،

وإن أقبلت قبل موعدها

فانتظرها،

ولا تجفل الطير فوق جدائلها

وانتظرها،

لتجلس مرتاحةً كالحديقة في أوج زينتها

وانتظرها،

لكي تتنفّس هذا الهواء الغريب على قلبها

وانتظرها،

لترفع عن ساقها ثوبها غيمةً غيمةً

وانتظرها،

وخذها إلى شرفة لترى قمرًا غارقًا في الحليب

انتظرها،

وقدّم لها الماء، قبل النبيذ، ولا

تتطلّع إلى توآمي حجلٍ نائمين على صدرها

وانتظرها،

ومسّ على مهل يدها عندما

تضع الكأس فوق الرخام

كأنّك تحمل عنها الندى

وانتظرها،

تحدّث إليها كما يتحدّث نايٌ

إلى وترٍ خائفٍ في الكمان

كأنكما شاهدان على ما يعدّ غدٌ لكما

وانتظرها

ولمّع لها ليلها خاتمًا خاتمًا

وانتظرها

إلى أن يقول لك الليل:

لم يبق غيركما في الوجود

فخذها، برفقٍ، إلى موتك المشتهى

وانتظرها!...
البداية


عابرون في كلام عابر

أيها المارون في الكلمات العابرة

احملوا أسمائكم وانصرفوا

وأسحبوا ساعاتكم من وقتنا ، وانصرفوا

وخذوا ما شئتم من زرقة البحر ورمل الذاكرة

و خذوا ما شئتم من صور، كي تعرفوا

إنكم لن تعرفوا

كيف يبني حجر من أرضنا سقف السماء

أيها المارون بين الكلمات العابرة

منكم السيف - ومنا دمنا

منكم الفولاذ والنار- ومنا لحمنا

منكم دبابة أخري- ومنا حجر

منكم قنبلة الغاز - ومنا المطر

وعلينا ما عليكم من سماء وهواء

فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا

وادخلوا حفلة عشاء راقص ... وانصرفوا

وعلينا , نحن , أن نحرس ورد الشهداء

وعلينا , نحن , أن نحيا كما نحن نشاء

أيها المارون بين الكلمات العابرة

كالغبار المر , مروا أينما شئتم .. ولكن

لا تمروا بيننا كالحشرات الطائرة

فلنا في أرضنا ما نعمل

ولنا قمح نربيه ونسقيه ندى أجسادنا

:
و لنا ما ليس يرضيكم هنا

حجر أو حجل

فخذوا الماضي , إذا شئتم , إلى سوق التحف

وأعيدوا الهيكل العظمي للهدهد , إن شئتم

على صحن خزف

فلنا ما ليس يرضيكم : لنا المستقبل

ولنا في أرضنا ما نعمل

أيها المارون بين الكلمات العابرة

كدّسوا أوهامكم في حفرة مهجورة , وانصرفوا

وأعيدوا عقرب الوقت إلى شرعية العجل المقدس

أو إلى توقيت موسيقى المسدس

ولنا ما ليس يرضيكم هنا , فانصرفوا

ولنا ما ليس فيكم : وطن ينزف شعبا ينزف

وطنا يصلح للنسيان أو للذاكرة

أيها المارون بين الكلمات العابرة

آن أن تنصرفوا

وتقيموا أينما شئتم ولكن لا تقيموا بيننا

آن أن تنصرفوا

ولتموتوا أينما شئتم ولكن لا تموتو بيننا

فلنا في أرضنا ما نعمل

ولنا الماضي هنا

ولنا صوت الحياة الأول

ولنا الحاضر، والحاضر ، والمستقبل

ولنا الدنيا هنا .. والآخرة

فاخرجوا من أرضنا

من برنا .. من بحرنا

من برنا ... من بحرنا

من قمحنا .. من ملحنا .. من جرحنا

من كل شيء , واخرجوا

من ذكريات الذاكرة

أيها المارون بين الكلمات العابرة!..
البداية


محمد

محمّد،

يعشّش في حضن والده طائراً خائفاً

من جحيم السماء: احمني يا أبي

من الطيران إلى فوق! إنّ جناحي

صغيرٌ على الريح... والضوء أسود

محمّد،

يريد الرجوع إلى البيت، من

دون درّاجة... أو قميصٍ جديد

يريد الذهاب إلى المقعد المدرسيّ...

إلى دفتر الصرف والنحو: خذني

إلى بيتنا، يا أبي، كي أعدّ دروسي

وأكمل عمري رويداً رويداً...

على شاطئ البحر، تحت النخيل

ولا شيء أبعد، لا شيء أبعد

محمّد،

يواجه جيشاً، بلا حجرٍ أو شظايا

كواكب، لم ينتبه للجدار ليكتب:

"
حريتي لن تموت".

فليست له، بعد، حريّة

ليدافع عنها. ولا أفقٌ لحمامة بابلو بيكاسو.

وما زال يولد، ما زال

يولد في اسمٍ يحمّله لعنة الاسم. كم

مرةً سوف يولد من نفسه ولداً

ناقصاً بلداً... ناقصاً موعداً للطفولة؟

أين سيحلم لو جاءه الحلم...

والأرض جرح... ومعبد؟

محمّد،

يرى موته قادماً لا محالة. لكنّه

يتذكر فهداً رآه على شاشة التلفزيون،

فهداً قوياً يحاصر ظبياً رضيعاً.

وحين

دنا منه شمّ الحليب،

فلم يفترسه.

كأنّ الحليب يروّض وحش الفلاة.

إذن، سوف أنجو - يقول الصبيّ -

ويبكي: فإنّ حياتي هناك مخبأة

في خزانة أمي، سأنجو... واشهد.

محمّد،

ملاكٌ فقيرٌ على قاب قوسين من

بندقية صيّادة البارد الدم.

من

ساعةٍ ترصد الكاميرا حركات الصبي

الذي يتوحّد في ظلّه

وجهه، كالضحى، واضح

قلبه، مثل تفاحة، واضح

وأصابعه العشر، كالشمع، واضحة

والندى فوق سرواله واضح...

كان في وسع صيّادٍهٍ أن يفكّر بالأمر

ثانيةً، ويقول : سـأتركه ريثما يتهجّى

فلسطينه دون ما خطأ...

سوف أتركه الآن رهن ضميري

وأقتله، في غدٍ، عندما يتمرّد!

محمّد،

يسوع صغير ينام ويحلم في

قلب أيقونةٍ

صنعت من نحاس

ومن غصن زيتونة

ومن روح شعب تجدّد

محمّد،

دمٌ زاد عن حاجة الأنبياء

إلى ما يريدون، فاصعد

إلى سدرة المنتهى

يا محمّد!

البداية

 

شتاء ريتا
ريتا ترتب ليل غرفتنا : قليل هذا النبيذ

وهذه الأزهار أكبر من سريري

فافتح لها الشباك كي يتعطر الليل الجميل

ضع ههنا قمراً على الكرسيّ

ضع فوق البحيرة

حول منديلي ليرتفع النخيل أعلى وأعلى

هل لبست سواي ؟ هل سكنتك إمرأةٌ

لتجهش كلما التفّت على جذعي فروعك ؟

حكّ لي قدمي وحكّ دمي لنعرف ما

تخلفه العواصف والسّيول

منّي ومنك ...

تنام ريتا في حديقة جسمها

توت السياج على أظافرها يضيء

الملح في جسدي . أ حبّك .

نام عصفوران تحت يديّ...

نامت موجة القمح النبيل على تنفسها البطيء

و وردة حمراء نامت في الممر

ونام ليل لا يطول

والبحر نام أمام نافذتي على إيقاع ريتا

يعلو ويهبط في أشعة صدرها العاري

فنامي بيني وبينك

لا تغطي عتمة الذهب العميقة بيننا

نامي يداً حول الصدى

ويداً تبعثر عزلة الغابات

نامي بين القميص الفستقي ومقعد الليمون

نامي فرساً على رايات ليلة عرسها ...

هدأ الصهيل

هدأت خلايا النحل في دمنا

فهل كانت هنا ريتا

وهل كنا معا ؟

...
ريتا سترحل بعد ساعاتٍ وتترك ظلها

زنزانةٌ بيضاء . أين سنلتقي ؟

سألت يديها ، فالتفتّ إلى البعيد

البحر خلف الباب ، والصحراء خلف البحر

قبلني على شفتي قالت .

قلت : يا ريتا أأرحل من جديد

مادام لي عنبٌ وذاكرةٌ ، وتتركني الفصول

بين الإشارة والعبارة هاجسا ً ؟

ماذا تقول ؟

لا شيء يا ريتا ، أقلد فارساً في أغنية

عن لعنة الحب المحاصر بالمرايا ...

عنّي ؟

وعن حلمين فوق وسادةٍ يتقاطعان ويهربان

فواحدٌ يستل سكيناً وآخر يودع الناي الوصايا

لا أدرك المعنى ، تقول

و لا أنا ، لغتي شظايا

كغياب إمرأةٍ عن المعنى ،

وتنتحر الخيول في آخر الميدان ...

ريتا تحتسي شاي الصباح

وتقشر التفاحة الأولى بعشر زنابقٍ

وتقول لي :

لا تقرأ الآن الجريدة ، فالطبول هي الطبول

والحرب ليست مهنتي . وأنا أنا . هل أنت أنت ؟

أنا هو

هو من رآك غزالةً ترمي لآلئها عليه

هو من رأى شهواته تجري وراءك كالغدير

هو من رآنا تائهين توحدا فوق السرير

وتباعدا كتحية الغرباء في الميناء

يأخذنا الرحيل في ريحه ورقاً

أمام فنادق الغرباء

مثل رسائلٍ قرئت على عجل

أتأخذني معك ؟

فأكون خاتم قلبك الحافي ، أتأخذني معك

فأكون ثوبك في بلاد أنجبتك ... لتصرعك

وأكون تابوتا من النعناع يحمل مصرعك

وتكون لي حياً وميتاً

ضاع يا ريتا الدليل

والحب مثل الموت وعدٌ لا يرد .. ولا يزول

...
ريتا تعدّ لي النهار

حجلاً تجمع حول كعب حذائها العالي :

صباح الخير يا ريتا

وغيماً أزرقاً للياسمينة تحت إبطيها :

صباح الخير يا ريتا

وفاكهةً لضوء الفجر: يا ريتا صباح الخير

يا ريتا أعيديني إلى جسدي لتهدأ لحظةً

إبر الصنوبر في دمي المهجور بعدك .

كلما عانقت برج العاج فرت من يديّ يمامتان ..

قالت : سأرجع عندما تتبدل الأيام والأحلام

يا ريتا طويل هذا الشتاء ، ونحن نحن

فلا تقولي ما أقول أنا هي

هي من رأتك معلقاً فوق السياج ، فأنزلتك وضمدتك

وبدمعها غسلتك ، انتشرت بسوسنها عليك

ومررت بين سيوف اخوتها ولعنة أمها وأنا هي

هل أنت أنت ؟

..
تقوم ريتا عن ركبتي

تزور زينتها ، وتربط شعرها بفراشةٍ فضيةٍ .

ذيل الحصان يداعب النمش المبعثر

كرذاذ ضوءٍ فوق الرخام الأنثوي

تعيد ريتا زر القميص إلى القميص الخردلي ... أأنت لي ؟

لك ، لو تركت الباب مفتوحاً على ماضيّ ،

لي ماضٍ أراه الآن يولد في غيابك

من صرير الوقت في مفتاح هذا الباب

لي ماض أراه الآن يجلس قربنا كالطاولة

لي رغوة الصابون

والعسل المملح

والندى

والزنجبيل

ولك الأيائل ،إن أردت ، لك الأيائل والسهول

ولك الأغاني ،إن أردت، لك الأغاني والذهول

إني ولدت لكي أحبك

فرساً ترقّص غابةً ، وتشق في المرجان غيابك

وولدت سيدةً لسيدها ، فخذني كي أصبك

خمراً نهائياً لأشفي منك فيك ، وهات قلبك

إني ولدت لكي أحبك

وتركت أمي في المزامير القديمة تلعن الدنيا وشعبك

ووجدت حراس المدينة يطعمون النار حبك

وإني ولدت لكي أحبك

ريتا تكسر جوز أيامي ، فتتسع الحقول

لي هذه الأرض الصغيرة في غرفة في شارعٍ

في الطابق الأرضي من مبنى على جبلٍ

يطل على هواء البحر . لي قمرٌ نبيذيٌ ولي حجر صقيل

لي حصة من مشهد الموج المسافر في الغيوم ، وحصة

من سفر تكوين البداية و سفر أيوب ، ومن عيد الحصاد

وحصة مما ملكت ، وحصة من خبز أمي

لي حصة من سوسن الوديان في أشعار عشاق قدامى

لي حصة من حكمة العشاق : يعشق وجه قاتله القتيل

لو تعبرين النهر يا ريتا

وأين النهر ، قالت ...

قلت فيك وفيّ نهرٌ واحد

وأنا أسيل دماً وذاكرةً أسيل

لم يترك الحراس لي باباً لأدخل فاتكأت على الأفق

ونظرت تحت

نظرت فوق

نظرت حول

فلم أجد

أفقاً لأنظر ، لم أجد في الضوء إلا نظرتي

ترتد نحوي . قلت عودي مرةً أخرى إلي ، فقد أرى

أحداً يحاول أن يرى أفقاً يرممه رسول

برسالة من لفظتين صغيرتين : أنا ، وأنت

فرحٌ صغيرٌ في سريرٍ ضيقٍ ... فرحٌ ضئيل

لم يقتلونا بعد ، يا ريتا ، ويا ريتا .. ثقيل

هذا الشتاء وبارد

...
ريتا تغني وحدها

لبريد غربتها الشمالي البعيد : تركت أمي وحدها

قرب البحيرة وحدها ، تبكي طفولتي البعيدة بعدها

في كل أمسية تنام ضفيرتي الصغيرة عندها

أمي ، كسرت طفولتي وخرجت إمرأةً تربّي نهدها

بفم الحبيب . تدور ريتا حول ريتا وحدها :

لا أرض للجسدين في جسد ، ولا منفى لمنفى

في هذه الغرف الصغيرة ، والخروج هو الدخول

عبثا نغني بين هاويتين ، فلنرحل ليتضح السبيل

لا أستطيع ، ولا أنا ، كانت تقول ولا تقول

وتهدئ الأفراس في دمها : أمن أرض بعيدة

تأتي السنونو ، يا غريب ويا حبيب ، إلى حديقتك الوحيدة ؟

خذني إلى أرض البعيدة

خذني إلى الأرض البعيدة ، أجهشت ريتا : طويل هذا الشتاء

وكسرت خزف النهار على حديد النافذة

وضعت مسدسها الصغير على مسودة القصيدة

ورمت جواربها على الكرسي فانكسر الهديل

ومضت إلى المجهول حافيةً ، وأدركني الرحيل
البداية


خطبة الهندي الأحمر

(
هل قلت موتى?

لا موت هناك

هناك فقط تبديل عوالم)

سياتل زعيم دواميش

1

إذًا، نحن من نحن في المسيسبّي. لنا ما تبقّى لنا من الأمس

لكنّ لون السّماء تغيّر، والبحر شرقًا

تغيّر، يا سيّد البيض! يا سيّد الخيل، ماذا تريد

من الذّاهبين إلى شجر اللّيل?

عاليةٌ روحنا، والمراعي مقدّسةٌ، والنّجوم

كلامٌ يضيء... إذا أنت حدّقت فيها قرأت حكايتنا كلّها:

ولدنا هنا بين ماءٍ ونارٍ... ونولد ثانيةً في الغيوم

على حافّة السّاحل اللاّزورديّ بعد القيامة... عمّا قليل

فلا تقتل العشب آكثر، للعشب روحٌ يدافع فينا

عن الرّوح في الأرض /

يا سيّد الخيل! علّم حصانك أن يعتذر

لروح الطّبيعة عمّا صنعت بأشجارنا:

آه! يا أختي الشّجرة

لقد عذّبوك كما عذّبوني

فلا تطلبي المغفرة

لحطّاب أمّي وأمّك...

2

...
لن يفهم السّيّد الأبيض الكلمات العتيقه

هنا، في النّفوس الطّليقة بين السّماء وبين الشّجر...

فمن حقّ كولومبوس الحرّ أن يجد الهند في أيّ بحر،

ومن حقّه أن يسمّي أشباحنا فلفلاً أو هنودا،

وفي وسعه أن يكسّر بوصلة البحر كي تستقيم

وأخطاء ريح الشّمال، ولكنّه لا يصدّق أنّ البشر

سواسيّةٌ كالهواء وكالماء خارج مملكة الخارطة!

وأنّهم يولدون كما تولد الناس في برشلونة، لكنّهم يعبدون

إله الطّبيعة في كلّ شيءٍ... ولا يعبدون الذّهب...

وكولومبوس الحرّ يبحث عن لغةٍ لم يجدها هنا،

وعن ذهبٍ في جماجم أجدادنا الطّيّبين وكان له

ما يريد من الحيّ والميت فينا. إذًا

لماذا يواصل حرب الإبادة، من قبره، للنّهاية?

ولم يبق منّا سوى زينةٍ للخراب، وريشٍ خفيفٍ على

ثياب البحيرات. سبعون مليون قلبٍ فقأت... سيكفي

ويكفي، لترجع من موتنا ملكًا فوق عرش الزمان الجديد...

أما آن أن نلتقي، يا غريب، غريبين في زمنٍ واحدٍ?

وفي بلدٍ واحدٍ، مثلما يلتقي الغرباء على هاوية?

لنا ما لنا... ولنا ما لكم من سماء

لكم ما لكم... ولكم ما لنا من هواءٍ وماء

لنا ما لنا من حصًى... ولكم ما لكم من حديد

تعال لنقتسم الضّوء في قوّة الظّلّ، خذ ما تريد

من اللّيل، واترك لنا نجمتين لندفن أمواتنا في الفلك

من اللّيل، واترك لنا نجمتين لندفن أمواتنا في الفلك

وخذ ما تريد من البحر، واترك لنا موجتين لصيد السّمك

وخذ ذهب الأرض والشّمس، واترك لنا أرض أسمائنا

وعد، يا غريب، إلى الأهل... وابحث عن الهند /

3

...
أسماؤنا شجرٌ من كلام الإله، وطيرٌ تحلّق أعلى

من البندقيّة. لا تقطعوا شجر الاسم يا أيّها القادمون

من البحر حربًا، ولا تنفثوا خيلكم لهبًا في السّهول

لكم ربّكم ولنا ربّنا، ولكم دينكم ولنا ديننا

فلا تدفنوا اللّه في كتبٍ وعدتكم بأرضٍ على أرضنا

كما تدّعون، ولا تجعلوا ربّكم حاجبًا في بلاط الملك!

خذوا ورد أحلامنا كي تروا ما نرى من فرح!

وناموا على ظلّ صفصافنا كي تطيروا يمامًا يماما...

كما طار أسلافنا الطيّبون وعادوا سلامًا سلاما.

ستنقصكم، أيّها البيض، ذكرى الرّحيل عن الأبيض المتوسّط،

وتنقصكم عزلة الأبديّة في غابةٍ لا تطلّ على الهاوية

وتنقصكم حكمة الانكسارات، تنقصكم نكسةٌ في الحروب

وتنقصكم صخرةٌ لا تطيع تدفّق نهر الزّمان السّريع

ستنقصكم ساعةٌ للتّأمّل في أيّ شيءٍ، لتنضج فيكم

سماءً ضروريّةً للتّراب، ستنقصكم ساعةٌ للتّردّد ما بين دربٍ

ودربٍ، سينقصكم يوربيدوس يومًا، وأشعار كنعان والبابليّين،

تنقصكم

أغاني سليمان عن شولميت، سينقصكم سوسنٌ للحنين

ستنقصكم، أيّها اٌّلبيض، ذكرى تروّض خيل الجنون

وقلبٌ يحكّ الصّخور لتصقله في نداء الكمنجات... ينقصكم

وتنقصكم حيرةٌ للمسدّس: إن كان لا بدّ من قتلنا

فلا تقتلوا الكائنات الّتي صادقتنا، ولا تقتلوا أمسنا

ستنقصكم هدنةٌ مع أشباحنا في ليإلى الشّتاء العقيمة

وشمسٌ أقلّ اشتعالاً، وبدرٌ أقلّ اكتمالاً، لتبدو الجريمة

أقلّ احتفالاً على شاشة السّينما، فخذوا وقتكم

4

...
نعرف ماذا يخبّي هذا الغموض البليغ لنا

سماءٌ تدلّت على ملحنا تسلم الرّوح. صفصافةٌ

تسير على قدم الرّيح، وحشٌ يؤسّس مملكةً في

ثقوب الفضاء الجريح... وبحرٌ يملّح أخشاب أبوابنا،

ولم تكن الأرض أثقل قبل الخليقة، لكنّ شيئًا

كهذا عرفناه قبل الزّمان... ستروي الّرياح لنا

بدايتنا والنّهاية، لكنّنا ننزف اليوم حاضرنا

وندفن أيّامنا في رماد الأساطير، ليست أثينا لنا،

ونعرف أيّامكم من دخان المكان، وليست أثينا لكم،

ونعرف ما هيّأ المعدن - السّيّد اليوم من أجلنا

ومن أجل آلهةٍ لم تدافع عن الملح في خبزنا

ونعرف أنّ الحقيقة أقوى من الحقّ، نعرف أنّ الزّمان

تغيّر، منذ تغيّر نوع السّلاح. فمن سوف يرفع أصواتنا

إلى مطرٍ يابسٍ في الغيوم? ومن يغسل الضّوء من بعدنا

ومن سوف يسكن معبدنا بعدنا? من سيحفظ عاداتنا

من الصّخب المعدنيّ? (نبشّركم بالحضارة) قال الغريب، وقال:

أنا سيّد الوقت، جئت لكي أرث الأرض منكم.

فمرّوا أمامي، لأحصيكم جثّةً جثّةً فوق سطح البحيرة

(
أبشّركم بالحضارة) قال، لتحيا الأناجيل، قال، فمرّوا

ليبقى لي الرّبّ وحدي، فإنّ هنودًا يموتون خيرٌ

لسيّدنا في العلا من هنودٍ يعيشون، والرّبّ أبيض

وأبيض هذا النّهار: لكم عالمٌ ولنا عالم...

يقول الغريب كلامًا غريبًا، ويحفر في الأرض بئرًا

ليدفن فيها السّماء. يقول الغريب كلامًا غريبًا

ويصطاد أطفالنا والفراش. بماذا وعدت حديقتنا يا غريب?

بوردٍ من الزّنك أجمل من وردنا? فليكن ما تشاء

ولكن، أتعلم أنّ الغزالة لا تأكل العشب إن مسّه دمنا?

أتعلم أنّ الجواميس إخوتنا والنّباتات إخوتنا يا غريب?

فلا تحفر الأرض أكثر! لا تجرح السّلحفاة الّتي

تنام على ظهرها الأرض، جدّتنا الأرض، أشجارنا شعرها

وزينتنا زهرها. (هذه الأرض لا موت فيها)، فلا

تغيّر هشاشة تكوينها! لا تكسّر مرايا بساتينها

ولا تجفل الأرض، لا توجع الأرض. أنهارنا خصرها

وأحفادها نحن، أنتم ونحن، فلا تقتلوها...

سنذهب، عمّا قليلٍ، خذوا دمنا واتركوها

كما هي،

أجمل ما كتب اللّه فوق المياه،

له... ولنا

سنسمع أصوات أسلافنا في الرّياح، ونصغي

إلى نبضهم في براعم أشجارنا. هذه الأرض جدّتنا

مقدّسةٌ كلّها، حجرًا حجرًا، هذه الأرض كوخٌ

لآلهةٍ سكنت معنا، نجمةً نجمةً، وأضاءت لنا

ليإلى الصّلاة... مشينا حفاةً لنلمس روح الحصى

وسرنا عراةً لتلبسنا الرّوح، روح الهواء، نساء

يعدن إلينا هبات الطّبيعة - تاريخنا كان تاريخها. كان للوقت

وقتٌ لنولد فيها ونرجع منها إليها: نعيد إلى الأرض أرواحها

رويدًا رويدًا. ونحفظ ذكرى أحبّتنا في الجرار

مع الملح والزّيت، كنّا نعلّق أسماءهم بطيور الجداول

وكنّا الأوائل، لا سقف بين السّماء وزرقة أبوابنا

ولا خيل تأكل أعشاب غزلاننا في الحقول، ولا غرباء

يمرّون في ليل زوجاتنا، فاتركوا النّاي للرّيح تبكي

على شعب هذا المكان الجريح... وتبكي عليكم غدا،

وتبكي عليكم... غدا!

5

ونحن نودّع نيراننا، لا نردّ التّحيّة... لا تكتبوا

علينا وصايا الإله الجديد، إله الحديد، ولا تطلبوا

معاهدةً للسّلام من الميّتين، فلم يبق منهم أحد

يبشّركم بالسّلام مع النّفس والآخرين، وكنّا هنا

نعمّر أكثر، لولا بنادق إنجلترا والنّبيذ الفرنسيّ والإنفلونزا،

وكنّا نعيش كما ينبغي أن نعيش برفقة شعب الغزال

ونحفظ تاريخنا الشّفهيّ، وكنّا نبشّركم بالبراءة والأقحوان

لكم ربّكم ولنا ربّنا، ولكم أمسكم ولنا أمسنا، والزّمان

هو النّهر حين نحدّق في النّهر يغرورق الوقت فينا...

ألا تحفظون قليلاً من الشّعر كي توقفوا المذبحة?

ألم تولدوا من نساءٍ? ألم ترضعوا مثلنا

حليب الحنين إلى أمّهاتٍ? ألم ترتدوا مثلنا أجنحة

لتلتحقوا بالسّنونو. وكنّا نبشّركم بالرّبيع، فلا تشهروا الأسلحة!

وفي وسعنا أن نتبادل بعض الهدايا وبعض الغناء

هنا كان شعبي. هنا مات شعبي. هنا شجر الكستناء

يخبّئ أرواح شعبي. سيرجع شعبي هواءً وضوءًا وماء،

خذوا أرض أمّي بالسّيف، لكنّني لن أوقّع باسمي

معاهدة الصّلح بين القتيل وقاتله، لن أوقّع باسمي

على بيع شبرٍ من الشّوك حول حقول الذّرة

وأعرف أنّي أودّع آخر شمسٍ، وألتفّ باسمي

وأسقط في النّهر، أعرف أنّي أعود إلى قلب أٌمّي

لتدخل، يا سيّد البيض، عصرك... فارفع على جثّتي

تماثيل حرّيّةٍ لا تردّ التّحيّة، واحفر صليب الحديد

على ظلّي الحجريّ، سأصعد عمّا قليلٍ أعإلى النّشيد،

نشيد انتحار الجماعات حين تشيّع تاريخها للبعيد،

وأطلق فيها عصافير أصواتنا: ههنا انتصر الغرباء

على الملح، واختلط البحر في الغيم، وانتصر الغرباء

على قشرة القمح فينا، ومدّوا الأنابيب للبرق والكهرباء

هنا انتحر الصّقر غمًّا، هنا انتصر الغرباء

علينا. ولم يبق شيءٌ لنا في الزّمان الجديد

هنا تتبخّر أجسادنا، غيمةً غيمةً، في الفضاء

هنا تتلألأ أرواحنا، نجمةً نجمةً، في فضاء النّشيد

6

سيمضي زمانٌ طويلٌ ليصبح حاضرنا ماضيًا مثلنا

سنمضي إلى حتفنا، أوّلاً، سندافع عن شجرٍ نرتديه

وعن جرس اللّيل، عن قمرٍ، فوق أكواخنا نشتهيه

وعن طيش غزلاننا سندافع، عن طين فخّارنا سندافع

وعن ريشنا في جناح الأغاني الأخيرة. عمّا قليل

تقيمون عالمكم فوق عالمنا: من مقابرنا تفتحون الطّريق

إلى القمر الاصطناعيّ. هذا زمان الصّناعات. هذا

زمان المعادن، من قطعة الفحم تبزغ شمبانيا الأقوياء...

هنالك موتى ومستوطناتٌ، وموتى وبولدوزراتٌ، وموتى

ومستشفياتٌ، وموتى وشاشات رادار ترصد موتى

يموتون أكثر من مرّةٍ فى الحياة، وترصد موتى

يعيشون بعد الممات، وموتى يربّون وحش الحضارات موتًا،

وموتى يموتون كي يحملوا الأرض فوق الرّفات...

إلى أين، يا سيّد البيض، تأخذ شعبي،... وشعبك?

إلى أيّ هاويةٍ يأخذ الأرض هذا الرّوبوت المدجّج بالطّائرات

وحامله الطّائرات، إلى أيّ هاويةٍ رحبةٍ تصعدون?

لكم ما تشاؤون: روما الجديدة، إسبارطة التكنولوجيا

وأيديولوجيا الجنون،

ونحن، سنهرب من زمنٍ لم نهيّئ له، بعد، هاجسنا

سنمضى إلى وطن الطّير سربًا من البشر السّابقين

نطلّ على أرضنا من حصى أرضنا، من ثقوب الغيوم

نطلّ على أرضنا، من كلام النّجوم نطلّ على أرضنا

من هواء البحيرات، من زغب الذّرة الهشّ، من

زهرة القبر، من ورق الحور، من كلّ شيء

يحاصركم، أيّها البيض، موتى يموتون، موتى

يعيشون، موتى يعودون، موتى يبوحون بالسّرّ،

فلتمهلوا الأرض حتى تقول الحقيقة، كلّ الحقيقة،

عنكم

وعنّا...

وعنّا

وعنكم!

7

هنالك موتى ينامون في غرفٍ سوف تبنونها

هنالك موتى يزورون ماضيهم في المكان الّذي تهدمون

هنالك موتى يمرّون فوق الجسور الّتي سوف تبنونها

هنالك موتى يضيئون ليل الفراشات، موتى

يجيئون فجرًا لكي يشربوا شايهم معكم، هادئين

كما تركتهم بنادقكم، فاتركوا يا ضيوف المكان

مقاعد خاليةً للمضيفين.. كي يقرؤوا

عليكم شروط السّلام مع... الميّتين!
البداية
 

في يدي غيمة

أسرجوا الخيل،

لا يعرفون لماذا،

ولكنّهم أسرجوا الخيل في السهل

...
كان المكان معدًّا لمولده: تلّةً

من رياحين أجداده تتلفّت شرقًا وغربًا. وزيتونةً

قرب زيتونةٍ في المصاحف تعلي سطوح اللغة...

ودخانًا من اللازورد يؤثّث هذا النهار لمسألةٍ

لا تخصّ سوى الله. آذار طفل

الشهور المدلّل. آذار يندف قطنًا على شجر

اللوز. آذار يؤلم خبّيزةً لفناء الكنيسة.

آذار أرضٌ لليل السّنونو، ولامرأةٍ

تستعدّ لصرختها في البراري... وتمتدّ في

شجر السنديان.

يولد الآن طفلٌ،

وصرخته،

في شقوق المكان

افترقنا على درج البيت. كانوا يقولون:

في صرختي حذرٌ لا يلائم طيش النباتات،

في صرختي مطرٌ; هل أسأت إلى إخوتي

عندما قلت إني رأيت ملائكةً يلعبون مع الذئب

في باحة الدار? لا أتذكّر

أسماءهم. ولا أتذكّر أيضًا طريقتهم في

الكلام... وفي خفّة الطيران

أصدقائي يرفّون ليلاً، ولا يتركون

خلفهم أثرًا. هل أقول لأمّي الحقيقة:

لي إخوةٌ آخرون

إخوةٌ يضعون على شرفتي قمرًا

إخوةٌ ينسجون بإبرتهم معطف الآقحوان

أسرجوا الخيل،

لا يعرفون لماذا،

ولكنهم أسرجوا الخيل في آخر الليل

...
سبع سنابل تكفي لمائدة الصيف.

سبع سنابل بين يديّ. وفي كل سنبلةٍ

ينبت الحقل حقلاً من القمح. كان

أبي يسحب الماء من بئره ويقول

له: لا تجفّ. ويأخذني من يدي

لأرى كيف أكبر كالفرفحينة...

أمشي على حافّة البئر: لي قمران

واحدٌ في الأعالي

وآخر في الماء يسبح... لي قمران

واثقين، كأسلافهم، من صواب

الشرائع... سكّوا حديد السيوف

محاريث. لن يصلح السيف ما

أفسد الصّيف - قالوا. وصلّوا

طويلاً. وغنّوا مدائحهم للطبيعة...

لكنهم أسرجوا الخيل،

كي يرقصوا رقصة الخيل،

في فضّة الليل...

تجرحني غيمةٌ في يدي: لا

أريد من الأرض أكثر من

هذه الأرض: رائحة الهال والقشّ

بين أبي والحصان.

في يدي غيمةٌ جرحتني. ولكنني

لا أريد من الشمس أكثر

من حبّة البرتقال وأكثر من

ذهبٍ سال من كلمات الأذان

أسرجوا الخيل،

لا يعرفون لماذا،

ولكنهم أسرجوا الخيل

في آخر الليل، وانتظروا

شبحًا طالعًا من شقوق المكان...

البداية


البئر

أختار يومًا غائمًا لأمرّ بالبئر القديمة.

ربّما امتلأت سماءً. ربّما فاضت عن المعنى وعن

أمثولة الراعي. سأشرب حفنةً من مائها.

وأقول للموتى حواليها: سلامًا، أيّها الباقون

حول البئر في ماء الفراشة! أرفع الطّيّون

عن حجرٍ: سلامًا أيها الحجر الصغير! لعلّنا

كنّا جناحي طائرٍ ما زال يوجعنا. سلامًا

أيها القمر المحلّق حول صورته التي لن يلتقي

أبدًا بها! وأقول للسّرو: انتبه ممّا يقول

لك الغبار. لعلّنا كنا هنا وتري كمانٍ

في وليمة حارسات اللازورد. لعلّنا كنّا

ذراعي عاشقٍ...

قد كنت أمشي حذو نفسي: كن قويًّا

يا قريني، وارفع الماضي كقرني ماعزٍ

بيديك، واجلس قرب بئرك. ربّما التفتت

إليك أيائل الوادي ... ولاح الصوت -

صوتك- صورةً حجريّةً للحاضر المكسور...

لم أكمل زيارتي القصيرة بعد للنسيان...

لم آخذ معي أدوات قلبي كلّها:

جرسي على ريح الصنوبر

سلّمي قرب السماء

كواكبي حول السطوح

وبحّتي من لسعة الملح القديم...

وقلت للذكرى: سلامًا يا كلام الجدّة العفويّ

يأخذنا إلى أيّامنا البيضاء تحت نعاسها...

واسمي يرنّ كليرة الذّهب القديمة عند

باب البئر. أسمع وحشة الأسلاف بين

الميم والواو السحيقة مثل وادٍ غير ذي

زرعٍ. وأخفي ثعلبي الوديّ. أعرف أنني

سأعود حيًّا، بعد ساعاتٍ، من البئر التي

لم ألق فيها يوسفًا أو خوف إخوته

من الأصداء. كن حذرًا! هنا وضعتك

أمّك قرب باب البئر، وانصرفت إلى تعويذةٍ...

فاصنع بنفسك ما تشاء. صنعت وحدي ما

أشاء: كبرت ليلاً في الحكاية بين أضلاع

المثلّث: مصر، سوريّا، وبابل. ههنا

وحدي كبرت بلا إلهاتٍ الزراعة.

[
كنّ يغسلن الحصى في غابة الزيتون. كنّ مبلّلاتٍ بالندى]...

ورأيت أنّي قد سقطت

عليّ من سفر القوافل، قرب أفعى. لم

أجد أحدًا لأكمله سوى شبحي. رمتني

الأرض خارج أرضها، واسمي يرنّ على خطاي

كحذوة الفرس: اقترب ... لأعود من هذا

الفراغ إليك يا جلجامش الأبديّ في اسمك!..

كن أخي! واذهب معي لنصيح بالبئر

القديمة... ربما امتلأت كأنثى بالسماء،

وربّما فاضت عن المعنى وعمّا سوف

يحدث في انتظار ولادتي من بئري الأولى!

سنشرب حفنةً من مائها،

سنقول للموتى حواليها: سلامًا

أيها الأحياء في ماء الفراش،

وأيّها الموتى، سلامًا! .

البداية


تعاليم حورية

فكّرت يومًا بالرحيل، فحطّ حسّونٌ على يدها ونام.

وكان يكفي أن أداعب غصن داليةٍ على عجلٍ...

لتدرك أنّ كأس نبيذي امتلأت.

ويكفي أن أنام مبكّرًا لترى منامي واضحًا،

فتطيل ليلتها لتحرسه...

ويكفي أن تجيء رسالةٌ منّي لتعرف أنّ عنواني تغيّر،

فوق قارعة السجون، وأنّ

أيّامي تحوّم حولها... وحيالها

أمّي تعدّ أصابعي العشرين عن بعدٍ.

تمشّطني بخصلة شعرها الذهبيّ.

تبحث في ثيابي الداخليّة عن نساءٍ أجنبيّاتٍ،

وترفو جوريي المقطوع.

لم أكبر على يدها كما شئنا:

أنا وهي، افترقنا عند منحدر الرّخام... ولوّحت سحبٌ لنا،

ولماعزٍ يرث المكان.

وأنشأ المنفى لنا لغتين:

دارجةً... ليفهمها الحمام ويحفظ الذكرى،

وفصحى... كي أفسّر للظلال ظلالها!

ما زلت حيًّا في خضمّك.

لم تقولي ما تقول الأمّ للولد المريض.

مرضت من قمر النحاس على خيام البدو.

هل تتذكرين طريق هجرتنا إلى لبنان،

حيث نسيتني ونسيت كيس الخبز [كان الخبز قمحيًّا].

ولم أصرخ لئلاّ أوقظ الحرّاس.

حطّتني على كتفيك رائحة الندى.

يا ظبيةً فقدت هناك كناسها وغزالها...

لا وقت حولك للكلام العاطفيّ.

عجنت بالحبق الظهيرة كلّها.

وخبزت للسّمّاق عرف الديك.

أعرف ما يخرّب قلبك المثقوب بالطاووس،

منذ طردت ثانيةً من الفردوس.

عالمنا تغيّر كلّه، فتغيّرت أصواتنا.

حتّى التحيّة بيننا وقعت كزرّ الثوب فوق الرمل،

لم تسمع صدًى.

قولي: صباح الخير!

قولي أيّ شيء لي لتمنحني الحياة دلالها.

هي أخت هاجر.

أختها من أمّها.

تبكي مع النايات موتى لم يموتوا.

لا مقابر حول خيمتها لتعرف كيف تنفتح السماء،

ولا ترى الصحراء خلف أصابعي لترى حديقتها على وجه السراب،

فيركض الزّمن القديم

بها إلى عبثٍ ضروريٍّ:

أبوها طار مثل الشركسيّ على حصان العرس.

أمّا أمّها فلقد أعدّت،

دون أن تبكي، لزوجة زوجها حنّاءها،

وتفحّصت خلخالها...

لا نلتقي إلاّ وداعًا عند مفترق الحديث.

تقول لي مثلاً: تزوّج أيّة امرأة من

الغرباء، أجمل من بنات الحيّ.

لكن، لا تصدّق أيّة امرأة سواي.

ولا تصدّق ذكرياتك دائمًا.

لا تحترق لتضيء أمّك، تلك مهنتها الجميلة.

لا تحنّ إلى مواعيد الندى.

كن واقعيًّا كالسماء.

ولا تحنّ إلى عباءة جدّك السوداء،

أو رشوات جدّتك الكثيرة،

وانطلق كالمهر في الدنيا. وكن من أنت حيث تكون.

واحمل عبء قلبك وحده...

وارجع إذا اتّسعت بلادك للبلاد وغيّرت أحوالها...

أمّي تضيء نجوم كنعان الأخيرة،

حول مرآتي،

وترمي، في قصيدتي الأخيرة، شالها! .
البداية


ليل يفيض من الجسد

ياسمينٌ على ليل تمّوز، أغنيّةٌ

لغريبين يلتقيان على شارعٍ

لا يؤدّي إلى هدفٍ ...

من أنا بعد عينين لوزيّتين? يقول الغريب

من أنا بعد منفاك فيّ? تقول الغريبة.

إذن، حسنًا، فلنكن حذرين لئلا

نحرّك ملح البحار القديمة في جسدٍ يتذكّر...

كانت تعيد له جسدًا ساخنًا،

ويعيد لها جسدًا ساخنًا.

هكذا يترك العاشقان الغريبان حبّهما فوضويًّا،

كما يتركان ثيابهما الداخليّة بين زهور الملاءات...

-
إن كنت حقًا حبيبي، فألّف

نشيد أناشيد لي، واحفر اسمي

على جذع رمّانةٍ في حدائق بابل...

-
إن كنت حقًا تحبّينني، فضعي

حلمي في يديّ. وقولي له، لابن مريم،

كيف فعلت بنا ما فعلت بنفسك،

يا سيّدي? هل لدينا من العدل ما سوف

يكفي ليجعلنا عادلين غدًا?

-
كيف أشفى من الياسمين غدًا?

-
كيف أشفى من الياسمين غدًا?

يعتمان معًا في ظلالٍ تشعّ على

سقف غرفته: لا تكن معتمًا

بعد نهديّ - قالت له ...

قال: نهداك ليلٌ يضيء الضروريّ

نهداك ليلٌ يقبّلني. وامتلأنا أنا

والمكان بليلٍ يفيض من الكأس ...

تضحك من وصفه. ثم تضحك أكثر

حين تخبّئ منحدر الليل في يدها...

-
يا حبيبي، لو كان لي

أن أكون صبيًّا... لكنتك أنت

-
ولو كان لي أن أكون فتاةً

لكنتك أنت!...

وتبكي، كعادتها، عند عودتها

من سماءٍ نبيذيّة اللون: خذني

إلى بلدٍ ليس لي طائرٌ أزرقٌ

فوق صفصافة يا غريب!

وتبكي، لتقطع غاباتها في الرحيل

الطويل إلى ذاتها: من أنا?

من أنا بعد منفاك في جسدي?

آه منّي، ومنك، ومن بلدي

-
من أنا بعد عينين لوزيّتين?

أريني غدي!...

هكذا يترك العاشقان وداعهما

فوضويًّا، كرائحة الياسمين على ليل تمّوز...

في كلّ تمّوز يحملني الياسمين إلى

شارع، لا يؤدّي إلى هدفٍ،

بيد أني أتابع أغنيّتي:

ياسمينٌ على ليل تمّوز......
البداية


عندما يبتعد

للعدوّ الذي يشرب الشاي في كوخنا فرسٌ في الدخان.

وبنتٌ لها حاجبان كثيفان.

عينان بنّيتان.

وشعرٌ طويلٌ كليل الأغاني على الكتفين.

وصورتها لا تفارقه كلّما جاءنا يطلب الشاي.

لكنّه لا يحدّثنا عن مشاغلها في المساء،

وعن فرسٍ تركته الأغاني على قمّة التلّ...

...
في كوخنا يستريح العدوّ من البندقيّة،

يتركها فوق كرسيّ جدّي.

ويأكل من خبزنا مثلما يفعل الضيف.

يغفو قليلاً على مقعد الخيزران.

ويحنو على فرو قطّتنا.

ويقول لنا دائمًا:

لا تلومو الضحيّة!

نسأله: من هي?

فيقول: دمٌ لا يجفّفه الليل.../

...
تلمع أزرار سترته عندما يبتعد

عم مساءً! وسلّم على بئرنا

وعلى جهة التين. وامش الهوينى على

ظلّنا في حقول الشعير. وسلّم على سرونا

في الأعالي. ولا تنس بوّابة البيت مفتوحةً

في الليالي. ولا تنس خوف الحصان من الطائرات،

وسلّم علينا، هناك إذا اتّسع الوقت.../

هذا الكلام الذي كان في ودّنا

أن نقول على الباب... يسمعه جيّدًا

جيّدًا، ويخبّئه في السّعال السريع

ويلقي به جانبًا.

فلماذا يزور الضحيّة كلّ مساءٍ?

ويحفظ أمثالنا مثلنا،

ويعيد أناشيدنا ذاتها،

عن مواعيدنا ذاتها في المكان المقدّس?

لولا المسدس

لاختلط الناي في الناي ...

...
لن تنتهي الحرب ما دامت الأرض فينا تدور على نفسها!

فلنكن طيّبين إذًا. كان يسألنا أن نكون هنا طيّبين.

ويقرأ شعرًا لطيّار (ييتس):

أنا لا أحبّ الذين أدافع عنهم،

كما أنني لا أعادي الذين أحاربهم...

ثم يخرج من كوخنا الخشبيّ،

ويمشي ثمانين مترًا إلى

بيتنا الحجريّ هناك على طرف السّهل.../

سلّم على بيتنا يا غريب.

فناجين قهوتنا لا تزال على حالها.

هل تشمّ أصابعنا فوقها?

هل تقول لبنتك ذات الجديلة والحاجبين الكثيفين إنّ لها صاحبًا غائبًا،

يتمنّى زيارتها، لا لشيءٍ...

ولكن ليدخل مرآتها ويرى سرّه:

كيف كانت تتابع من بعده عمره

بدلاً منه? سلّم عليها

إذا اتّسع الوقت...

هذا الكلام الذي كان في ودّنا

أن نقول له، كان يسمعه جيّدًا جيّدًا،

ويخبّئه في سعالٍ سريع،

ويلقى به جانبًا، ثم تلمع

أزرار سترته، عندما يبتعد
...
البداية
 

يحبونني ميتا

يحبّونني ميّتًا

ليقولوا: لقد كان منّا، وكان لنا.

سمعت الخطى ذاتها.

منذ عشرين عامًا تدقّ على حائط اللّيل.

تأتي ولا تفتح الباب. لكنّها تدخل الآن.

يخرج منها الثّلاثة: شاعرٌ، قاتلٌ، قارئٌ.

ألا تشربون نبيذًا?

سألت. سنشرب.

قالوا. متى تطلقون الرّصاص عليّ?

سألت. أجابوا: تمهّل!

وصفّوا الكؤوس وراحوا يغنّون للشّعب،

قلت: متى تبدأون اغتيالي?

فقالوا: ابتدأنا... لماذا بعثت إلى الرّوح أحذيةً!

كي تسير على الأرض.

قلت. فقالوا: لماذا كتبت القصيدة بيضاء

والأرض سوداء جدًّا.

أجبت: لأنّ ثلاثين بحرًا تصبّ بقلبي.

فقالوا: لماذا تحبّ النّبيذ الفرنسيّ?

قلت: لأنّي جديرٌ بأجمل امرأةٍ.

كيف تطلب موتك?

أزرق مثل نجومٍ تسيل من السّقف

-
هل تطلبون المزيد من الخمر?

قالوا: سنشرب.

قلت: سأسألكم أن تكونوا بطيئين،

أن تقتلوني رويدًا رويدًا لأكتب شعرًا أخيرًا لزوجة قلبي.

ولكنّهم يضحكون ولا يسرقون من البيت

غير الكلام الذي سأقول لزوجة قلبي..
البداية


تصبحون على وطن

عندما يذهب الشهداء الى النوم أصحو

وأحرسهم من هواة الرّثاء

أقول لهم :

تصبحون على وطن،

من سحابٍ ومن شجرٍ،

من سراب وماء

أهنئهم بالسلامة من حادث المستحيل

ومن قيمة المذبح الفائضة

وأسرق وقتا لكي يسرقوني من الوقت.

هل كلنا شهداء؟

وأهمس :

يا أصدقائي اتركوا حائطا واحداً،

لحبال الغسيل،

اتركوا ليلةً للغناء

اعلّق أسماءكم أين شئتم فناموا قليلاً،

وناموا على سلم الكرمة الحامضة

لأحرس أحلامكم من خناجر حراسكم

وانقلاب الكتاب على الأنبياء

وكونوا نشيد الذي لا نشيد له

عندما تذهبون إلى النوم هذا المساء

أقول لكم :

تصبحون على وطنٍ

حمّلوه على فرس راكضه

وأهمس :

يا أصدقائي لن تصبحوا مثلنا ...

حبل مشنقةٍ غامضه !
البداية


سلام عليك

لديني ... لديني لأعرف في أي أرضٍ أموت

وفي أي أرضٍ سأبعث حيا

سلامٌ عليك وأنت تعدّين نار الصّباح،

سلامٌ عليك...سلامٌ عليك.

أما آن لي أن أقدّم بعض الهدايا إليك

أما آن لي أن أعود إليك؟

لديني لأشرب منك حليب البلاد

وأبقى صبياً على ساعديك

وأبقى صبياً إلى أبد الآبدين.

أما آن لي أن أقدّم بعض الهدايا إليك

أما آن لي أن أعود إليك؟

أمي! أضعت يد يّا على خصر امرأةٍ من سراب

أعانق رملاً أعانق ظلاً

رأيت كثيراً يا أمي رأيت

لديني لأبقى على راحتيك

آه، يا أمي

أحنّ إلى خبز صوتك أمّي!

أحنّ إليك يا أمّي

أحنّ إلى خبز أمي، وقهوة أمي، ولمسة أمي...

وتكبر فيّ الطفولة يوماً على صدر يومٍٍ

وأعشق عمري لأني إذا متّ

أخجل من دمع أمي!
البداية


أنا يوسف يا أبي

أنا يوسفٌ يا أبي.

يا أبي، إخوتي لا يحبّونني،

لا يريدونني بينهم يا أبي.

يعتدون عليّ ويرمونني بالحصى والكلام.

يريدونني أن أموت لكي يمدحوني.

وهم أوصدوا باب بيتك دوني.

وهم طردوني من الحقل.

هم سمّموا عنبي يا أبي.

وهم حطّموا لعبي يا أبي.

حين مرّ النّسيم ولاعب شعري

غاروا وثاروا عليّ وثاروا عليك،

فماذا صنعت لهم يا أبي?

الفراشات حطّت على كتفيّ،

ومالت عليّ السّنابل،

والطّير حطّت على راحتيّ.

فماذا فعلت أنا يا أبي،

ولماذا أنا?

أنت سمّيتني يوسفًا،

وهمو أوقعوني في الجبّ، واتّهموا الذّئب;

والذّئب أرحم من إخوتي..

أبت! هل جنيت على أحدٍ عندما قلت إنّي:

رأيت أحد عشر كوكبًا، والشّمس والقمر، رأيتهم لي ساجدين? .
البداية


مطار أثينا

مطار أثينا يوزّعنا للمطارات.

قال المقاتل: أين أقاتل?

صاحت به حاملٌ: أين أهديك طفلك?

قال الموظّف: أين أوظّف مالي?

فقال المثقّف: مالي ومالك?

قال رجال الجمارك: من أين جئتم?

أجبنا: من البحر.

قالوا: إلى أين تمضون?

قلنا: إلى البحر.

قالوا: وأين عناوينكم?

قالت امرأةٌ من جماعتنا: بقجتي قريتي.

في مطار أثينا انتظرنا سنينا.

تزوّج شابٌّ فتاةً ولم يجدا غرفةً للزّواج السّريع.

تساءل: أين أفضّ بكارتها?

فضحكنا وقلنا له: يا فتىً، لا مكان لهذا السّؤال.

وقال المحلّل فينا: يموتون من أجل ألاّ يموتوا.

يموتون سهوًا.

وقال الأديب: مخيّمنا ساقطٌ لا محالة.

ماذا يريدون منّا?

وكان مطار أثينا يغيّر سكّانه كلّ يومٍ.

ونحن بقينا مقاعد فوق المقاعد ننتظر البحر،

كم سنةً يا مطار أثينا!...
البداية
 

موسيقى عربية

( ليت الفتى حجرٌ )

يا ليتني حجر...

أكلّما شردت عينان

شرّدني

هذا السحاب سحابًا

كلّما خمشت عصفورةٌ أفقًا

فتّشت عن وثن?

أكلّما لمعت جيتارةٌ

خضعت

روحي لمصرعها في رغوة السّفن

أكلّما وجدت أنثى أنوثتها

أضاءني البرق من خصري

وأحرقني!

أكلّما ذبلت خبّيزةٌ

وبكى طيرٌ على فنن

أصابني مرضٌ

أو صحت: يا وطني!

أكلّما نوّر اللوز اشتعلت به

وكلما احترقا

كنت الدخان ومنديلاً

تمزقني

ريح الشمال، ويمحو وجهي المطر?

ليت الفتى حجرٌ

يا ليتني حجر...
البداية


لحن غجري

شارعٌ واضحٌ

وبنت

خرجت تشعل القمر

وبلادٌ بعيدةٌ

وبلادٌ بلا أثر ...

حلمٌ مالحٌ

وصوت

يحفر الخصر في الحجر

اذهبي يا حبيبتي

فوق رمشي ... أو الوتر

قمرٌ جارحٌ

وصمت

يكسر الريح والمطر

يجعل النهر إبرةً

في يدٍ تنسج الشجر

حائطٌ سابحٌ

وبيت

يختفي كلّما ظهر

ربّما يقتلوننا

أو ينامون في الممرّ ...

زمنٌ فاضحٌ

وموت

يشتهينا إذا عبر

انتهى الآن كلًّ شيء

واقتربنا من النهر

انتهت رحلة الغجر

وتعبنا من السفر

شارعٌ واضحٌ

وبنت

خرجت تلصق الصور

فوق جدران جثّتي ...

وخيامي بعيدة

وخيامٌ بلا أثر ..
البداية


اتصل بنا - راسلنا

جميع الحقوق محفوظة لدى الدكتور مسعد زياد