اللغة العربية أهلاً وسهلاً بكم في موقعكم المفضل لغة القرآن
الرئيسية النحو الإملاء قاموس النحو محاضرات في التربية قاموس الأدب الشعر الصرف النقد
 

فدوى طوقان في سطور
بقلم خليل عودة

من شواعر الأرض المقدسة
بقلم فاطمة العلوي

الفدائي والأرض
بقلم فدوى طوقان

رحلة جبلية - رحلة صعبة
بقلم فدوى طوقان

ذاكرة تليق بفدوى طوقان
بقلم علي الخليلي

حلقة خاصة مع الشاعرة

قصائد مختارة


الشاعرة فدوى طوقان

فدوى طوقان  في سطور

بقلم خليل عودة

حياتها :

ولدت الشاعرة الكبيرة فدوى طوقان في مدينة نابلس سنة 1917 لعائلة عريقة غنية ومحافظة جداً، وفيها تلقت تعليمها الابتدائي ولم تكمل مرحلة التعليم التي بدأتها في مدارس المدينة، فقد أخرجت من المدرسة لأسباب اجتماعية قاسية، جعلتها تتلقى أول ضربة في حياتها عندما ألقى القدر في طريقها بشاب صغير رماها بوردة فل تعبيراً عن إعجابه بها، وقد وصفت فدوى تلك الحادثة: "كان هناك من يراقب المتابعة، فوشى بالأمر لأخي يوسف، ودخل يوسف علي كزوبعة هائجة (قولي الصدق)... وقلت الصدق لأنجو من اللغة الوحيدة التي كان يخاطب بها الآخرين، العنف والضرب بقبضتين حديديتين، وكان يتمتع بقوة بدنية كبيرة لفرط ممارسته رياضة حمل الأثقال.

أصدر حكمَه القاضي بالإقامة الجبرية في البيت حتى يوم مماتي كما هدد بالقتل إذا ما تخطيت عتبة المنزل، وخرج من الدار لتأديب الغلام.

قبعت داخل الحدود الجغرافية التي حددها لي يوسف، ذاهلةً لا أكاد أصدق ما حدث. ما أشد الضرر الذي يصيب الطبيعة الأصلية للصغار والمراهقين بفعل خطأ التربية وسوء الفهم.

عانت فدوى طوقان قسوة الواقع الاجتماعي الذي قذف بها بعيداً بين جدران البيت السماوي في البلدة القديمة من مدينة نابلس، تنظر إلى نفسها بشيء من الخجل والاتهام، لقد فقدت أحب شيء إلى نفسها (المدرسة) التي أرادت أن تثبت نفسها من خلالها، وحرمت منها وهي في أمس الحاجة لها تصف فدوى طوقان موقف أبيها منها الذي لا يخاطبها مباشرة على عادة الرجال في زمانه- وإنما يخاطب أمها إذا أراد أن يبلغها شيئاً، ثم تقوم أمها بعد ذلك بتوصيل ما يريده أبوها منها، تقول:

"عاد أبي ذات صباح إلى البيت لبعض شأنه وكنت أساعد أمي في ترتيب أسرة النوم. وحين رآني سأل أمي: لماذا لا تذهب البنت إلى المدرسة؟

قالت: تكثر في هذه الأيام القصص حول البنات فمن الأفضل وقد بلغت هذه السن أن تبقى في البيت . "قال أبي:" حسناً" وخرج!

كان أحياناً إذا أراد أن يبلغني أمراً يستعمل صيغة الغائب ولو كنت حاضرة بين عينيه، كان يقول لأمي: قولي للبنت تفعل كذا وكذا... وقولي للبنت إنها تكثر من شرب القهوة، فلا أراها إلا وهي تحتسي القهوة ليلاً ونهاراً وهكذا.

كان أشد ما عانيته حرماني من الذهاب الى المدرسة وانقطاعي عن الدراسة.

كانت أختي أديبة تجلس في المساء لتحضير دروس اليوم التالي، تفتح حقيبة كتبها وتنشر دفاترها حولها، وتشرع في الدراسة وعمل التمارين المقررة.

وهماً كنت أهرب إلى فرا

شي لأخفي دموعي تحت الغطاء، وبدأ يتكشف لدي الشعور الساحق بالظلم.”

وفي وقت متأخر من ليل الجمعة الثالث عشر من ديسمبر لعام ألفين وثلاثة رحلت فدوى طوقان عن عمر يناهز الخامسة والثمانين من عمرها، بعد رحلة عطاء طويلة أصلت فيها لمرحلة جديدة من تاريخ الشعر الفلسطيني بشكل خاص والشعر العربي بشكل عام.

علاقة فدوى بأخيها إبراهيم:

بدأت علاقة الشاعرة بأخيها إبراهيم منذ وقت مبكر من حياتها، وكان بالنسبة لها الأمل الوحيد المتبقي في عالمها المثقل بعذابات المرأة وظلم المجتمع، ورأت فيه الضوء الذي يطل عليها من خلف أستار العتمة والوحشة والوحدة.

وشكلت عودة إبراهيم من بيروت إلى نابلس، في تموز 1929 ، بعد أن أكمل دراسته وحصل على شهادته من الجامعة الأمريكية ببيروت، عاملاً مساعداً لإعادة بعض الفرح، إن لم نقل الفرح كله، إلى حياة فدوى طوقان، ورأت في قربه منها عاملاً مساعداً في إعادة ثقتها بنفسها، وترسيخ خطواتها على درب التعليم الذاتي الذي ألزمت نفسها به بعد أن أجبرت على ترك المدرسة، تقول: 

كانت عاطفة حبي له قد تكونت من تجمع عدة انفعالات طفولية سعيدة كان هو مسببها وباعثها.

أول هدية تلقيتها في صغري كانت منه

أول سفر من أسفار حياتي كان برفقته

كان هو الوحيد الذي ملأ فراغ النفس الذي عانيته بعد فقدان عمي، والطفولة التي كانت تبحث عن أب آخر يحتضنها بصورة أفضل وأجمل وجدت الأب الضائع مع الهدية الأولى والقبلة الأولى التي رافقتها.

إن تلك الهدية بالذات، التي كانت قد أحضرها إلي من القدس أيام كان تلميذاً في مدرسة المطران، تلك الهدية التي كانت أول أسباب تعلقي بإبراهيم ذلك التعلق الذي راح يتكشف فيما بعد بصورة قوية.

كان تعامله معي يعطيني انطباعاً بأنه معني بإسعادي وإشاعة الفرح في قلبي، لاسيما حين كان يصطحبني في مشاويره إلى الجانب الغربي من سفح جبل عيبال”.

وبعد إقامة إبراهيم في نابلس بدأ سطر جديد في حياة فدوى طوقان فنذرت نفسها لخدمته والاعتناء به، وتهيئة شؤونه، ورأت في ذلك غاية سعادتها ومنتهى طموحها، وقد بلغ من تعلقها بأخيها أنها كانت تخاف عليه المرض والأذى، فهو الهواء الذي تتنفسه رئتاي  كما تقول وكان إبراهيم يبادلها حباً بحب، يأخذ بيدها، ويحاول تخفيف معاناتها، بخاصة عندما عرف بقصتها، وما حل بها من فقدان المدرسة والتزام البيت، تقول: "كان قد علم من أمي سبب قعودي في البيت، لكنه وهو الإنسان الواسع الأفق، الحنون، العالم بدخائل النفس البشرية، نظر إلى ذلك الأمر نظرة سبقت الزمن خمسين سنة إلى الأمام لم يتدخل، ولم يفرض إرادته على يوسف العنيف، لكنه راح يعاملني بالحب والحنو الغامر.

وظلت تتجمع الأمور الصغيرة لتصبح جسراً ينقلني من حال إلى حال".

ولم يترك القدر لفدوى هذا السراج الذي لاح مضيئاً في سمائها المظلم، فقد أقيل أخوها من عمله في القسم العربي في الإذاعة الفلسطينية وغادر مع عائلته إلى العراق بضعة أشهر مرض فيها هناك، ثم عاد إلى نابلس ومات فيها، تقول فدوى: "وتوفي شقيقي إبراهيم فكانت وفاته ضربة أهوى بها القدر على قلبي ففجر فيه ينبوع ألم لا ينطفئ ومن هذا الينبوع تتفجر أشعاري على اختلاف موضوعاتها:".

وانكسر شيء في أعماقي، وسكنتني حرقة اليتم.

فدوى طوقان والشعر:

كانت فدوى تتابع أخاها إبراهيم في كتابته للشعر، وتوجيهه للطلاب الذين كانوا يكتبونه، وقد سمعته مرة وهو يحدث أمه عن تلميذين من تلاميذه قد جاءا إليه بقصائد من نظمهما خالية من عيوب الوزن والقافية، فقالت "نيالهم".

وعندما سمعها إبراهيم، وهي تتكلم بحسرة، كأنها تلومه على عطائه مع تلاميذه وتقصيره معها، فنظر إليها وصمت، ثم قال فجأة: سأعلمك نظم الشعر، هيا معي. كانت أمي قد سكبت له الطعام، ولكنه ترك الغرفة، ولحقت به، وارتقينا معاً السلم المؤدي إلى الطابق الثاني حيث غرفته ومكتبته. وقف أمام رفوف الكتب وراح ينقل عينيه فيها باحثاً عن كتاب معين. أما أنا فكان قلبي يتواثب في صدري، وقد كتمت أنفاسي اللاهثة، دقيقتين، وأقبل علي وفي يده كتاب الحماسة لأبي تمام، نظر في الفهرس ثم فتح الكتاب عند صفحته بالذات، قال: هذه القصيدة سأقرؤها لك وأفسرها بيتاً بيتاً ثم تنقلينها إلى دفتر خاص وتحفظينها غيباً، لأسمعها منك هذا المساء عن ظهر قلب.  

ولم يكن اختيار إبراهيم مجرد اختيار عشوائي فقد اختار لها شعراً لامرأة ترثي أخاها، ثم يقول: لقد تعمدت أن أختار لك هذا الشعر لتري كيف كانت نساء العرب تكتب الشعر الجميل، وبدأت رحلة فدوى طوقان مع الشعر تحفظ القصائد التي يختارها لها إبراهيم، وبدأت تتعلم من جديد في مدرستها التي فتح إبراهيم أبوابها، تقول:

ها أنا أعود إلى الدفاتر والأقلام والدراسة والحفظ، ها أنا أعود إلى جنتي المفقودة، وعلى غلاف دفتر المحفوظات تلألأت بعيني هذه الكلمات التي كتبتها بخطي الرديء، خط تلميذة في الثالثة عشرة من العمر، الاسم: فدوى طوقان. الصف: شطبت الكلمة وكتبت بدلاً منها المعلم: إبراهيم طوقان. الموضوع: تعلم الشعر. المدرسة: البيت.

وبدت مرحلة جديدة في حياة فدوى طوقان، مرحلة تشعر فيها بذاتيتها وإنسانيتها وحقها في التعلم، وتجدد معها ثقتها بنفسها "أصبحت خفيفة كالطائر، لم أعد مثقلة القلب بالهم والتعب والنفس، في لحظة واحدة انزاح جبل الهوان وابتلعه العدم. وامتدت مكانه في نفسي مساحات مستقبل شاسع مضيئة خضراء كمروج القمح في الربيع". 

وحاول المعلم أن يختبر رغبة أخته الصغرى في تعلم الشعر، فتوقف عن مراجعتها لفترة محدودة دون أية كلمة عن الدروس، وفي اليوم الرابع راجعته بصوت مرتعش: هل غيرت رأيك؟ ويأتي الجواب منه سريعاً: لم أغير رأيي، ولكنني توقفت لأتأكد من صدق رغبتك في التعلم، سنواصل اليوم الدرس.

بدأت فدوى طوقان تكتب على منوال الشعر العمودي، ومالت بعد ذلك إلى الشعر الحر.

آثارها الشعرية :

صدرت للشاعرة المجموعات الشعرية التالية تباعاً:

ديوان وحدي مع الأيام، دار النشر للجامعيين، القاهرة ،1952م.

وجدتها، دار الآداب، بيروت، 1957م.

أعطنا حباً، دار الآداب، بيروت, 1960م.

أمام الباب المغلق، دار الآداب، بيروت ، 1967م.

الليل والفرسان، دار الآداب، بيروت، 1969م.

على قمة الدنيا وحيداً، دار الآداب، بيروت، 1973.

تموز والشيء الآخر، دار الشروق، عمان، 1989م.

اللحن الأخير، دار الشروق، عمان، 2000م.

وقد ترجمت منتخبات من شعرها إلى اللغات: الإنجليزية والألمانية والفرنسية والإيطالية والفارسية والعبرية.

آثارها النثرية:

أخي إبراهيم، المكتبة العصرية، يافا، 1946م

رحلة صعبة- رحلة جبلية (سيرة ذاتية) دار الشروق، 1985م. وترجم إلى الانجليزية والفرنسية واليابانية والعبرية.

الرحلة الأصعب (سيرة ذاتية) دار الشروق، عمان، (1993) ترجم إلى الفرنسية.

الأوسمة والجوائز:

جائزة الزيتونة الفضية الثقافية لحوض البحر البيض المتوسط باليرمو إيطاليا 1978م.

جائزة عرار السنوية للشعر، رابطة الكتاب الأردنيين، عمان، 1983.

جائزة سلطان العويس، الإمارات العربية المتحدة، 1989م.

وسام القدس، منظمة التحرير الفلسطينية، 1990.

جائزة المهرجان العالمي للكتابات المعاصرة، ساليرنو- ايطاليا.

جائزة المهرجان العالمي للكتابات المعاصرة - إيطاليا 1992.

جائزة البابطين للإبداع الشعري، الكويت  1994م.

وسام الاستحقاق الثقافي، تونس، 1996م.

جائزة كفافس للشعر، 1996.

جائزة الآداب، منظمة التحرير الفلسطينية، 1997م.

نتاج فدوى طوقان الأدبي في الرسائل العلمية :

أ - الدكتوراه :

- إنتاج فدوى طوقان الشعري، د. عبد الله الشحام، جامعة مانشستر، انجلترا.

- سيرة فدوى طوقان الذاتية، مايا فان درفلدن، جامعة أمستردام،هولندا.

- فدوى طوقان: أغراض شعرها وخصائصه الفنية، د. إبراهيم العلم، الجامعة اللبنانية.

ب - الماجستير:

الصورة، أثر الوجدان الإسلامي في إنتاج فدوى طوقان، يحيى الأغا، جامعة القاهرة.

فرجينيا وولف وفدوى طوقان في السيرة الذاتية لكل منهما (دراسة مقارنة)، سيرين حليلة، جامعة لندن.

الصورة الشعرية عند فدوى طوقان، خالد السنداوي، الجامعة العبرية.

فدوى طوقان في سيرتها الذاتية، ناديا عودة، جامعة بون، ألمانيا.

سيرة فدوى طوقان وأهميتها في دراسة أشعارها، رمضان عطا محمد شيخ عمر، جامعة النجاح الوطنية، نابلس.

هذا عدا أبحاثٍ ودراساتٍ كثيرةٍ نشرت في الكتب والمجلات والدوريات العربية والأجنبية. وثمة دراسات علمية أخرى صدرت مؤخرا ولم يتسن الاطلاع عليها.

قالوا عن فدوى طوقان:

"فدوى طوقان من أبرز شعراء جيلها، وما من شك في أن ما أسهمت به في دواوينها يعد جزءاً هاماً من التراث الشعري الحديث".

من تقرير لجنة تحكيم جائزة البابطين للإبداع الشعري، 1994م.

- تميزت فدوى طوقان بروح إبداعية واضحة، وضعت شعرها في مقدمة الشعر النسائي الفلسطيني إن لم يكن في مقدمة الشعر النسائي العربي.    "شاكر النابلسي، من مقدمة كتابه "فدوى طوقان تشتبك مع الشعر"

- فدوى طوقان شاعرة عربية بديعة الأنغام، والتصاوير، والموسيقى، صاحبة موهبة فنية رفيعة بين شعراء وشاعرات الوطن العربي المعاصرين"  د. عبد المنعم خفاجي، من ملف جريدة البعث السورية عن فدوى طوقان.

- كان شعرها صوراً حية لتطور الحياة الشعرية بعد النكبة، ومن يمض في قراءته، ويتدرج معه من حيث الزمان، يجد صورة وجدانية لحياة المجتمع الفلسطيني وتطورها بفعل تطور الأحداث المشتملة عليه". د. عبد الرحمن ياغي، من ملف جريدة البعث السورية عن فدوى طوقان.

- كانت قضية فلسطين تصبغ جانباً هاماً من شعر فدوى بلون أحمر قان، وكان شعر المقاومة عندها عنصراً أساسياً وملمحاً رئيسياً لا يكتمل وجهها الشعري بدونه".  من ملف جريدة البعث السورية عن فدوى طوقان.

- منذ أيام الراحل العظيم طه حسين لم تبلغ سيرة ذاتية ما بلغته سيرة فدوى طوقان من جرأة في الطرح وأصالة في التعبير وإشراق في العبارة "الشاعر سميح القاسم.

البداية

 

من شواعر الأرض المقدسة فلسطين

إشراف الأستاذ: خالد خميس فــرَّاج

إعداد الطالبة: فاطمة سعيــد العلوي

حياة الشاعرة :

هي فدوى عبد الفتاح آغا طوقان . ولدت عام 1917 بفلسطين، وتحمل الجنسية الأردنية. تلقت تعليمها الابتدائي في نابلس ثم ثقفت نفسها بنفسها، والتحقت بدورات اللغة الإنجليزية والأدب الإنجليزي. وفدوى طوقان كانت عضوا في مجلس أمناء جامعة النجاح بنابلس. وحضرت العديد من المهرجانات والمؤتمرات العربية والأجنبية.

حصلت فدوى طوقان الشاعرة على عدد كبير من الجوائز، فقد جائزة رابطة الكتاب الأردنيين 1983، وجائزة سلطان العويس 1987، وجائزة ساليرنو للشعر من إيطاليا، ووسام فلسطين، وجائزة مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري 1994. وجائزة كافاتيس الدولية للشعر عام 1996.

فدوى والشعر :

تعرفت إلى عالم الشعر عن طريق أخيها الشاعر إبراهيم طوقان. وقد عالج شعرها الموضوعات الشخصية والاجتماعية، وهي من أوائل الشعراء الذين عملوا على تجسيد العواطف في شعرهم، وقد وضعت بذلك أساسيات قوية للتجارب الأنثوية في الحب والثورة، واحتجاج المرأة على المجتمع. ولشعرها مراحل، فقد تحولت من الشعر الرومانسي إلى الشعر الحر ثم هيمنت على شعرها موضوعات المقاومة بعد سقوط بلدها.

ما صدر عنها من دراسات وبحوث :

- صدرت عنها دراسات أكاديمية (للماجستير والدكتوراه)  في عدد من الجامعات العربية والأجنبية، كما كتبت عنها دراسات متفرقة في الصحف والمجلات العربية، إلى جانب كتابات أخرى لكل من إبراهيم العلم ، وخليل أبو أصبع ، وبنت الشاطئ وروحية القليني، وهاني أبو غضيب، وعبير أبو زيد وغيرها .

ومن الكتب الجديدة حول الشاعرة فدوى طوقان كتاب : ( من إبراهيم طوقان إلى شقيقته فدوى) ، وهو كتاب جديد يكشف دور الشاعر إبراهيم طوقان في تثقيف أخته عبر الرسائل. وفيه يطالب بها الشاعر إبراهيم أخته الشاعرة فدوى - بمطالب تتعلق باللغة والوزن والصورة، وفي سبيل تطوير أدواتها، وكان المصدر الأول الذي يحقق ذلك هو القرآن .

وصدر عن دار الهجر للنشر والتوزيع-بيت الشعر-في مدينة رام الله بفلسطين كتاب آخر " رسائل إبراهيم  طوقان إلى شقيقته فدوى". وعلى هذا الصعيد تكشف الرسائل مدى العنت والجهد الذي يبذله الطرفان للوصول إلى الهدف فهو يرشدها إلى قواعد اللغة والى قوانين الشعر، ويقترح لها فيما تقرأ ، وفيما تكتب ويصحح لها، وحين يطمئن إلى مستوى معقول يدفعها لتدفع بشعرها للنشر.

الشعر من 1948- 1967 :

- كانت فدوى طوقان أشهر من عرف في عهد الانتداب من الشعراء وكذلك أبو سلمى الذي استقر في دمشق، وقد تميزت قصائد أبو سلمى بعد 48 باهتزاز الرؤية وفقدان الثقة، أما فدوى طوقان فقد تطورت بشكل مختلف فأغنت الشعر العربي بالشعر الرشيق الذي يعبر عن اكتشاف الأنثى لذاتها .

مراحل شعـر فدوى طوقـان :

- فقد نسجت في المرحلة الأولى على منوال الشعر العمودي وقد ظهر ذلك جليا في ديواني(وحدي مع الأيام) و(وجدتها) وشعرها يتسم بالنزعة الرومانسية.

-وفي المرحلة الثانية اتسمت أشعارها بالرمزية والواقعية وغلبه الشعر الحر وتتضح هذه السمات في ديوانيها (أمام الباب المغلق)و (والليل و الفرسان).

- بدأت الشاعرة فدوى طوقان مع القصيدة التقليدية العمودية، لتقتنع بعدها بقصيدة التفعيلة، مشيرة إلى أنها تعطي للشاعر فسحة ومجالا أكثر. كما إنها تقول إن قصيدة التفعيلة سهلت وجود شعر المسرح.

إحدى الأمسيات الشعرية التي حضرتها فدوى طوقان في الإمارات .

- للشاعرة فدوى طوقان نشاطات على الصعيد العربي والعالمي، وتتحدث الشاعرة فدوى طوقان في أمسياتها عن  المعاناة التي لازمتها منذ احتلال اليهود للأرض العربية الفلسطينية، حتى إن كثيرا من قصائدها خرج إلى الوجود من خلال هذه المعاناة. وفي هذه الندوة تقول: إنها مازالت تشعر بالمهانة والإذلال كلما رأت الأراضي العربية تدنس بأقدام اليهود. 

من قصائدها :

يا نخلتي يحبني اثنان

كلاهما كـورد نيسان

كلاهما أحلى من السكر

وتاه قلبي الصغير بينهما

أيهما أحبة أكثر؟؟

أيهما يا نخلتي أجمل؟

قولي لقلبي ، إنه يجهل

في الرقصة الأولى

بين ظلال وهمس موسيقى

وشوشني الأول

وقال لي ما قال

رفّ جناحا قلبي المثقل بالوهم، بالأحلام، بالخيال

لم أدر ماذا أقول أو أفعل

في الرقصة الأخرى

حاصرني الثاني وطوقت خصري ذراعان

نهران من الشوق وتحنان

وقال لي قال

رفّ جناحا قلبي المثقل

بالوهم، بالأحلام، بالخيال

وا حيرتي! يحبني اثنان كلاهما كورد نيسان

كلاهما أحلى من السكر أيهما أحبة أكثر؟

- وفي ملحمتها (نداء الأرض)  تصور فدوى طوقان شيخاً فلسطينياً في لحظة التساؤل المرير عن المصير الذي آل إليه حاله وحال شعبه :

 أتغصب أرضي؟

أ يسلب حقي وأبقى أنا حليف التشرد أصبحت ذلة عاري هنا

أأبقى هنا لأموت غربياً بأرض غريبة

أأبقى ؟ ومن قالها؟ سأعود لأرضي الحبيبة

سأنهي بنفسي هذه الرواية

فلا بد ، لا  بد من عودتي

كان بعينه يرسب شيء

ثقيل كآلامه مظلم

لقد كان يرسب سبع سنين

انتظار طواها بصبر ذليل

تخدره عصبة المجرمين

وترقد تحت حلم ثقيل

أهوى على أرضه في انفعال يشم ثراها

يعانق أشجارها ويضم لآلئ حصاها

ومرغ كالطفل في صدرها الرحب خداً وفم

وألقى على حضنها كل ثقل سنين الألم

وهزته أنفاسها وهي ترتعش رعشة حب

وأصغى إلى قلبها وهو يهمس همسة عتب

رجعت إلي

وكانت عيون العدو اللئيم على خطوتين

رمته بنظرة حقد ونقمة

كما يرشق المتوحش سهمه

ومزق جوف السكوت المهيب صدى طلقتين.

- وتقول فدوى طوقان في قصيدة الأفضال :

إلي أين أهرب منك وتهرب مني؟

إلي أين أمضي وتمضي؟

ونحن نعيش بسجن من العشق

سجن بنيناه، نحن اختياراً

ورحنا يد بيد..

نرسخ في الأرض أركانه

ونعلي ونرفع جدرانه

البداية

 

الفدائي والأرض

كانت فدوى طوقان – في ذلك الزمان العصيب الذي كنا نظنه ذروة المأساة (سبتمبر 1967) فإذا به البداية الكارثية لما نعايشه اليوم في الأرض المحتلة وفي الوطن العربي كله – كانت لا تكتفي بهذه الصرخات الشعرية المدوية ، الرافضة لليل الهزيمة وإعصارها الشيطاني وطوفانها الأسود ، فقد تحوّلت إلى جيش محارب ، طلقاته وذخيرته كلمات مغموسة بدم القلب وعطر الشهداء ، وقصائد متوهّجة بإرادة النضال والبطولة والتحدي ، وانهالت رسائلها الشعرية المقاتلة – التي نجحت في تسريبها سرّاً من نابلس حيث تقيم في الضفة الغربية – إلى أصدقاء لها في القاهرة وبيروت ، ومن العاصمتين تنتقل الرسائل إلى الصحف والإذاعات . بكلماتها في اختراق الأسوار وتوصيل الصوت الفلسطيني الحقيقي إلى كل مكان لتبدّد بعض ظلمات ليل الهزيمة .

من بين ثنايا هذه القصائد ، وغيرها من شعر فدوى ، كان جمال جديد للعربية يتألق : هو جمال الصدق والعنفوان ، وهو شيء آخر غير جمال البلاغة وروعة الصور والتشبيهات والاستعارات وألوان البيان . جمال مسقّى بنبض الصدق ، واحتراق الحرف ، وزهو اللغة المعبّرة ، وروعة تشكيل القصيدة الشعرية التي يمكن أن تكون تحقيقاً أو رسالة أو وصية أو حوارية أو تصويراً لحادثة أو رجع صدى لموقف أو حالٍ أو كياناً يتشكّل خارج كلّ هذه الأطر والصيغ ، لأن كيان الفجيعة والمواجهة التي تحمل عُرْيها الكامل ، وتلقي بالزيف والتردد والهوان واللامبالاة . 

وما أشدّ حاجة شعرنا اليوم إلى هذا الجمال النبيل الفريد ، جمال الصدق والمواجهة ، وجمال ارتفاع قامة المبدع إلى مستوى لغته القومية ، وارتفاع قامة اللغة التي يبدعها إلى مستوى الشموخ والكبرياء .

وليبارك الله في عُمر هذا الكنز الجميل : فدوى طوقان ، إنسانةٌ ومبدعة !

البداية

 

رحلة جبلية - رحلة صعبة

تروي الشاعرة فدوى طوقان في سيرتها الذاتية "رحلة جبلية – رحلة صعبة"، التي صدرت عام 1985، تروي فيها تفاصيل طفولتها وشبابها ونضوج تجربتها الشعرية وتنتهي بالاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية في حزيران 1967.

أصدرت فدوى الجزء الثاني من سيرتها الذاتية بعنوان "الرحلة الأصعب" عام 1993، وفيه تروي عن حياتها وحياة شعبها خلال سنوات الاحتلال الإسرائيلي.
في القطعة التالية تصف فدوى بأسلوب قصصي جميل أولاً ، تعدي أفراد أسرتها عليها في طفولتها الباكرة ، ثم مساعدة أخوها لها وتعاطفه معها في سعيها لقرض الشعر .

" .... عشر مرات حملت أمي . خمسة بنين أعطت إلى الحياة وخمس بنات ، ولكنها لم تحاول الإجهاض قط إلا حين جاء دوري . هذا ما كنت أسمعها ترويه منذ صغري.

كانت مرهقة متعبة من عمليات الحمل والولادة والرضاع . فقد كانت تعطي كل عامين أو كل عامين ونصف العام مولوداً جديداً . يوم تزوجت كانت في الحادية عشر من عمرها ، ويوم وضعت ابنها البكر كانت لم تتم الخامسة عشرة بعد. واستمرت هذه الأرض السخية - كأرض فلسطين - تعطي أبي غلتها من بنين وبنات بانتظام .

أحمد - إبراهيم - بندر - فتايا - يوسف - رحمي .. كان هذا كافياً بالنسبة لأمي ، وأن لها أن تستريح ، لكنها حملت بالرقم السابع على كره . وحين أرادت التخلص من هذا الرقم السابع ظل متشبثاً في رحمها تشبث الشجر بالأرض ، وكأنما يحمل في سر تكوينه روح الإصرار والتحدي المضاد.

ولأول مرة في حياتهما الزوجية ينقطع أبي عن محادثة أمي لبضعة أيام . فقد أغضبته محاولة الإجهاض . كان المال والبنون بالنسبة له زينة الحياة الدنيا ، وكان يطمع بصبي خامس . لكني خيبت أمله وتوقعه .

أصبح لديه الآن ثلاث بنات مع البنين الأربعة ..وتبعني فيما بعد أديبة ثم نمر ثم حنان . فاستكملنا العدد (عشرة).

لا تحمل ذاكرتي أية صورة لأول يوم دخلت فيه المدرسة . كما أنها لا تحتفظ بذكرى المرحلة الأولية التي تعلمت فيها قراءة الحروف وكتابتها . ولكن الذي أذكره بوضوح هو استمتاعي دائماً بمحاولة قراءة أي شيء مكتوب وقع عليه بصري . 

لم يكن في نابلس أكثر من مدرستين للبنات ، (المدرسة الفاطمية) الغربية و(المدرسة العائشية) الشرقية . وكان أعلى صف هو الخامس الابتدائي . في (المدرسة الفاطمية) تمكنت من العثور على بعض أجزاء من نفسي الضائعة . فقد أثبت هناك وجودي الذي لم أستطع أن أثبته في البيت . أحبتني معلماتي وأحببتهن ، وكان منهن من يؤثرني بالتفات خاص. أذكر كيف كان يشتد خفقان قلبي كلما تحدثت معي معلمتي المفضلة (ست زهرة العمد) والتي أحببتها كما أحب واحدة من أهلي في تلك الأيام . كانت جميلة وجهاً وقواماً ، وكانت أنيقة ، شديدة الجاذبية.

لا أذكر أن واحدة من معلماتي تركت في نفسي ذكرى جارحة أو أثراً لمعاملة سيئة على مدى السنوات القليلة التي أمضيتها في المدرسة . لقد أشبعت المدرسة الكثير من حاجاتي النفسية التي ظلت جائعة في البيت . أصبحت أتمتع بشخصية بارزة بين معلماتي وزميلاتي . وكان من دواعي سعادتي أن معلمة اللغة العربية بين معلماتي أحياناً تلقي على مهمة تدريس التلميذات المتخلفات في الصف .

لقد أصبحت المدرسة أحب إليَّ من البيت والمكان الأكثر ملائمة لي . وفي المدرسة عرفت مذاق الصداقة وأحببته . كانت رفيقة مقعدي الدراسي تلميذة في مثل سني  اسمها "عناية النابلسي" وكانت أحب صديقاتي إليّ وأقربهن إلى نفسي.

البداية

 

ذاكرة تليق بفدوى طوقان

بقلم علي الخليلي

يليق بفدوى طوقان أن تحمل لقب "سنديانة فلسطين"، و"أم الشعراء"، و "الجبل الثالث في نابلس". ويليق بها أن تحمل اسم "شاعرة العرب" في هذا العصر. ويليق بها أن م تكون الشاعرة العربية في مختلف العصور. ليس ثمة في الذاكرة الشعرية العربية، من ألف سنة إلى الآن، شاعرة بحجم فدوى طوقان. تمتلئ هذه الذاكرة الخصبة بأسماء وألقاب عشرات، وربما مئات الشعراء الذين يتربع على رأسهم "المتنبي"، إلا أن القائمة الطويلة لهؤلاء الشعراء، من الماضي البعيد، إلى الحاضر الراهن، لا تشتمل على امرأة عربية شاعرة في أي عصر، استطاعت أن تخترق الصفوف، وأن تذلل الصعاب الكثيرة، لتتبوأ القمة العالية، سوى فدوى طوقان، في هذا العصر.

على مدار ثلاثة أجيال، في زمن العتمة والخوف والنكبات، واصلت فدوى طوقان رحلتها "الجبلية الصعبة"، ثم رحلتها "الأصعب"، قصيدة بعد قصيدة، ومعاناةٍ إثر معاناة، على الطريق نحو القمة التي هي قمة شعبها وأمتها وقضيتها الفلسطينية،. ولعلها قمة الإنسانية بشكل عام. القمة في الشعر، والقمة في الإصرار على الوصول إلى الفيض المتوهج في قلب الأرض، وفي قلب الإنسان. والقمة في الانتصار على العتمة والخوف والنكبات.

سيدة الشعر العربي المعاصر فدوى طوقان، تستريح الآن على هذه القمة، حيث لا شأن للموت في هذا المعنى. ولكنه شأن الحياة المستمرة في حركة قصائدها، جيلاً بعد جيل. شأن الوعي المتجدد بالقصيدة الفلسطينية التي جعلت منها فدوى طوقان ضميراً لفلسطين الوطن، وفلسطين الحق، وفلسطين الحرية والعدل والثورة والاستقلال.

وإذا كانت الطائرات والدبابات والجرافات الإسرائيلية العدوانية ما تزال تحاول محاصرة هذا الضمير بالقتل والإرهاب والتدمير على امتداد فلسطين، فإن روح القصيدة الفلسطينية، روح فدوى طوقان، تملأ المكان والزمان، خصباً ونماءً وإشراقاً، في مواجهة الخراب والدمار.

قال موشيه ديان وزير الحرب الإسرائيلي الأسبق: إن كل قصيدة من قصائد فدوى طوقان تصنع عشرة فدائيين، وقد انطوى ذلك الوزير الاحتلالي الاستيطاني واندثر، في الوقت الذي أصبح فيه الفدائيون بالآلاف. فدائيون يصنعهم الشعر، من أجل عشبة خضراء تنمو في شقوق الأنقاض التي تطحنها جرافات إسرائيل. وفدائيون يتذوقون الحكمة والجمال والفرح، من أجل حمامة بيضاء حلمت بها فدوى طوقان. وفدائيون يقدسون الحياة، من أجل أطفال يلعبون ويمرحون، ولا يسقطون برصاص وقنابل إسرائيل. وفدائيون من أجل "رقيّة" اللاجئة الفلسطينية التي يجب أن تعود إلى بيتها، وملاعب صباها، دون قيد أو شرط .

تطل فدوى طوقان، في كل صباح، على الناس أجمعين، في "الياسمينة" و"القريون" و"باب الساحة" و "المخفية" بنابلس، وفي "خان الزيت" بالقدس، وفي حيفا ويافا وعكا والناصرة. وفي القاهرة ودمشق وعمان وبغداد وبيروت، وتونس. وفي لندن وروما وباريس. وفي كل أرض، حيث لا حدود ولا سدود بين الناس في القصيدة التي تحملهم إلى أعماق إنسانيتهم وشغفهم بالمستقبل الأجمل والأفضل .

من "وحدي مع الأيام"، إلى "وجدتها"، إلى "أعطنا حباً"، إلى "أمام الباب المغلق"، إلى "الليل والفرسان"، إلى "على قمة الدنيا وحيداً"، إلى كل مجموعاتها الشعرية المتدفقة، تأخذ فدوى طوقان بأيدينا إلى ينابيع الحياة، فنعرف أننا قادرون على الثبات ضد الزلزلة، وعلى الفرح ضد الحزن والكآبة، وعلى الأمل ضد اليأس، وعلى الانتصار ضد الهزيمة. ونعرف أن التطور الذي أحدثته فدوى طوقان في أشكال  هذه الينابيع/القصائد ومضامينها، مع نازك الملائكة وبدر شاكر السياب في العراق، وصلاح عبد الصبور في مصر، وسلمى خضراء الجيوسي في فلسطين، في مرحلة مبكرة، هو أيضاً، تطور لحركة المرأة العربية على وجه التحديد، في مواجهة التهميش والانغلاق والعزلة، وتطور في أشكال المجتمع العربي ومضامينه كلها، على طريق حضاري لا يعرف الخوف أو الانكسار.

ينابيع باقية إلى الأبد ، لا تجف ولا يسممها الاحتلال أو يدمرها بأنياب جرافاته ومخالبها، وقنابل وصواريخ طائراته ودباباته. ينابيع فياضة تؤكد في كل صبح، وفي ولادة كل طفل، وزنبقة، وسنبلة قمح، وفراشة، وقطرة ندى، أن هذا الاحتلال زائل، وأن القصيدة الفلسطينية المشبعة بروح فدوى طوقان أقوى من همجية جنرالات إسرائيل وترسانتهم العسكرية الوحشية، وأقوى من قيود العزل والاستلاب .    

لنا أن نحزن برحيل سيدة شعرنا كله، ولنا أن نقف معها على القمة، متشبثين بالبذور التي أنشأتها ورعتها فينا، وأن نجعل منها عطاءً مستمراً ملء الكون كله .

البداية

 

حلقة خاصة مع الشاعرة

طالما قرأنا دواوينها وقصائدها، حزن روحها المستتر وراء كل حرف وكلمة في تلك القصائد شدنا لشعرها ونحن لم نزل في مرحلة من العمر لا تسمح لنا بالتفكير ماذا سنكون في المستقبل، ومرت الأيام وتخرجنا صحافيات من الجامعة التي كتبت هي نشيدها وكان اليوم الذي جمعنا بها في مقابلة صحافية، دخلنا بيتها استقبلتنا واقفة رغم وضعها الصحي السيئ الابتسامة تعلو شفتيها، وتلوح وراء كل تجعيدة في وجهها قصة من قصص حياتها، وحيدة في البيت الكبير بعد عمر طويل، وحدة تنبئتها وعاشتها حتى وهي بين عائلتها، في وحدي منع الأيام وأنا وحدي مع الليل،وعلى قمة الدنيا وحيدا، وقبل أن نطرح الأسئلة التي بذلنا جهدا كثيرا لتكون على مستوى الشخصية، كان لا بد من دردشة فأخذتنا معها إلى حياتها الأولى التي هي باختصار تأريخ لحياة شعبها، فمن المنزل الذي عاشت به دون أن تتمكن من اتخاذ قرار لإكمال دراستها إلى سنوات الهزيمة والرايات البيض والتي أخرجتها من ذاتيتها، إلى وحدتها في بيت كبير برفقة ذكرياتها ودواوين شعرها، وصورة أخيها إبراهيم صديقها الذي لم تمهلها الدنيا لاكتشاف حلاوة طعم الصداقة معه، بجانبها.
ولخصت سنوات العمر الطويل بكلمات بخط يدها على غلاف ديوانها الأخير،" اللحن الأخير "

"أساء ألي الزمان كثيرا كثيرا
إذ اقتاده في مسار حياتي وحشاً خطير
وشراً كبيراً كبير "

وبدأنا بالحديث عن الشعر والانتفاضة والثورات ودور الشاعر في تلك الثورات، كونها عايشت ثورات وجرح فلسطين الأول وإلى الآن، وكيف ناضل الأديب الفلسطيني إلى جانب الثائر جنب إلى جنب.

* أين فدوى طوقان من الانتفاضة الحالية؟

- أنا متابعة لما يحدث على الساحة الفلسطينية , لكن بسبب المرض الذي ألم بي "الجلطة" فقد أثرت على بصري, أتابع الأحداث من خلال التلفاز لسماع الأخبار, بالرغم من ذلك فقد كتبت في ديواني الأخير أتحدث فيه عن أحلام السلام المستحيل مع اليهود.

* ما هي إنتاجاك في هذه المرحلة ؟

- الواقع أن مرضي اثر علي تأثيرا كبيرا على إنتاجي الأدبي , فلم انتج أي شيء, حيث آخر إنتاج لي كان " اللحن الأخير" وهو مجموعة أشعار عاطفية أتحدث فيها عن عاطفتي في أيام الكبر, والتي اعتبرها أيامي الأخيرة . فلم استطع الكتابة لأنني خائفة من المستقبل , ماذا سيحصل معي وينتابني قلق كبير مما يؤثر كثيرا على كتاباتي.

كيف ترسم الأديبة الشاعرة فدوى طوقان تصورها للانتفاضة الحالية إيجابا أم سلبا؟

استمرار الانتفاضة ضروري جدا, فتوقفها يفرح الأعداء كثيرا , يجب أن يكون لدينا نظرة إيجابية حيالها, وان لا نكون سلبيين في تعاملنا مع هذا العدو الشرس, الذي تتكاثف فيه كافة الأحزاب الإسرائيلية بالرغم من خلافاتها الكبيرة من اجل تهبيط عزائم وإخماد جذوة الانتفاضة , ونحن بأشد الحاجة أن يكون لدينا هدف واحد من اجل نيل حقوقنا المشروعة.

* أن تعاصر الشاعرة ثورات متعددة لكل منها ظروفها وملابساتها , هل يفرض عليها نوعا أو اتجاها معينا للكتابة؟

- كل ثورة من هذه الثورات وكل مرحلة نضالية كانت تحمل خصوصية في ملابساتها , وفي شخصيتها وقادتها , لذلك كانت الأوضاع تفرض نفسها على كل قصيدة تكتب حسب المرحلة والمكان والأشخاص, حتى أن بعض القصائد كانت تفقد معناها نتيجة لبعض الأحداث السياسية , فمثلا ثورة فوزي القاوقجي في الثلاثينيات ثارت في خيالي ومشاعري فككبت على نظم قصيدة تعكس انبهار الصبية الرومانسية بشخصية قائد الثورة الأسطوري ولكن مع خمود الجماهير له مع مرور الأيام تضيع القصيدة المبهورة . ألا أن أشعار كل هذه الثورات السابقة تحمل في مضمونها نفس الهدف والفكرة , وبما أن الطرف الآخر في هذه القصائد هو العدو الأوحد لنا جميعا يتكرر الكره له في كل بيت وكل مقطع , فان خلود هذه القصائد باق ما بقي العدو وبقيت الروح النضالية موجودة في قلب كل مقاوم.

* هل هناك فرق بين الوطني المقاتل في ساحة المعركة وبين الكاتب والأديب والشاعر الذي يناضل من اجل نفس القضية؟

- في اعتقادي أن دور الشاعر والأديب لا يقل أهمية عن دور المقاتل في ساحة المعركة, فالشاعر الوطني الذي ينظم الشعر الحماسي يكون دافعا قويا لهؤلاء المقاتلين للصمود والاستبسال في المعركة, واذكر في هذا السياق أن في خلال حرب 67 قرأت قصيدة في الإذاعة بعنوان " لن ابكي" وكانت هذه القصيدة حماسية لدرجة أن مجموعة من المقاتلين سمعوها وعندما انتهت القصيدة قام أحدهم واحضر مصحفا واخذوا يحلفون عليه واحدا تلو الآخر, أن يقاوموا حتى النهاية وان لا يستسلموا أبدا.

* حسب اعتقادك هل ما زال شعر المقاومة يعبر عن وضع الانتفاضة الحالية مقارنة بالثورات والانتفاضات السابقة؟

- محمود درويش, سميح القاسم, توفيق زياد, من ابرز شعراء المقاومة الفلسطينية, كتبوا أشعارا ساعدت كثيرا على دفع المقاومة إلى الإمام ودعم الثورات والانتفاضات السابقة, وأنا ضد من بقول أن شعر المقاومة ذهبت مناسبته لأنه شعر حقيقي وصادق ويصلح لكل ثورة فلسطينية في أي زمان كان, لأنه حالة فريدة من الشعر تخص مقاومة الشعب الفلسطيني ذاته.

في ظل هذه الانتفاضة وما شملته من حصار واغتيالات هل للأديب أو الشاعر نفسية خصبة للكتابة ؟

اعتقد أن ما يشاهده الشاعر من أحداث يومية تهز مشاعره وكيانه, وتفتح له آفاق عديدة للكتابة, فأنا عندما كنت اجلس أمام التلفاز واستمع لأخبار الحروب والقتل , أتخيل أن الكرة الأرضية عبارة عن فنجان من القهوة احمله واقلبه واسكب معه كل شعوري وعواطفي وانفعالاتي لم أشاهد , هذه الفكرة ألهمتني قصيدة باسم " هذه الكوكب الأرضي" ألقيتها في مهرجان جرش أهديتها لصديقتي الأديبة حياة الحويطي.

ومما قلته في هذه القصيدة :

لو بيدي

لو أني اقدر أن اقلبه هذا الكوكب

أن أفرغه من كل شرور الأرض

أن اقتلع كل شرور البغض

* في فترة السبعينيات اتهمت فدوى طوقان بأنها شاعرة ذاتية , ماذا تقولين بذلك؟

- هذا صحيح, فقد كان يتهموني بآني شاعرة ذاتية اكتب شعرا عن تجربتي الذاتية في الحياة , لكن القارئ لسيرتي الذاتية يعرف لماذا كان ذلك, فطريقة نشأتي وتجربتي الشخصية وهي أن الإنسان خلق وحيدا ويتعذب وحيدا ويموت وحيدا وأنا انظر إلى معاناتي فأجد أن لا أحد يتعذب معي فأنا لوحدي , وهذا كله جعلني اكره وحدتي خاصة أن الإنسان والشاعر بالذات لا يتكامل إلا مع الجماعة . وهذا الشعور لم يعد لي إلا بعد حرب حزيران حيث عدت لها, فالاحتلال الإسرائيلي ارجع إلى الإحساس بنفسي ككائن اجتماعي, فقد  كنت بسببه التقي بالجماهير الشعبية, عرفت القيمة والمعنى الحقيقي الذي يتحمر في دنان الشعب.

* هل يمكن اعتبار الطفرات الإبداعية التي حظيت بها الثورات والانتفاضات الماضية ظواهر أخذت بالاندحار مع كل مرحلة؟

- الإبداعات لا تنتهي بأي جيل والمواهب موجودة, وقد تكون أفضل من شعراء كبار نعرفهم , لكن المشكلة في قلة الثقافة وقلة الاتجاه نحو تعميق الثقافة عند الشعراء والأدباء وزيادة الاطلاع, بالإضافة إلى أساليب قد تكون سياسية تمنعهم من كشف أعمال غاية الإبداع بسبب الموقف السياسي من هذه الأعمال.

* كيف يمكن للأدب العربي والإسلامي استثماره في مواجهة تشويه الأعمال الأدبية العربية وخاصة الفلسطينية خلال هذه الفترة؟

- أننا في الوطن العربي والإسلامي نمتلك مخزونا ثمينا من الذخائر الثقافية والأدبية في مجال الشعر والنثر, كل جزئية منها تعبر عن معاناة الشعوب حتى الاحتلال والقهر خاصة الذي يتعرض له الفلسطينية في شتى مراحل ثوراته, وان محاولات الجهات الصهيونية الرامية إلى تشويه هذا الإنتاج الثقافي." هنا توقفت لبرهة من الوقت للاستراحة لأنها شعرت بالدوخة لمدة 10 دقائق ولكنها أبت إلا أن تستمر وبإصرار".وهذه القصائد الخالدة لن تنجح إذا ما وجهت بوقفة مقابلة من قبل الأدباء والمثقفين العرب والمسلمين الذين اثبتوا في الكثير من الدول العربية والإسلامية, وفي مواقف مختلفة خاصة في الانتفاضة دعمهم للمقاومة ومقاطعتهم كافة أساليب التطبيع مع العدو الصهيوني, كما أن ما يتوفر لشعراء وأدباء اليوم من وسائل الأعلام وأساليب النشر يستطيعون بها إيصال ما يريدون من شتى أنحاء العالم يساعد في فضح الممارسات الصهيونية ورد محاولة التشويه التي يتعرض لها الإنتاج الثقافي العربي الإسلامي.

انظر إليهم في البعيد

يتصاعدون إلى الأعالي, في عيون الكون هم يتصاعدون

وعلى جبال من رعاف دمائهم

هم يصعدون ويصعدون

كلمات أفردتها فدوى طوقان لأطفال الحجارة, تلك الفئة الأسطورة التي استطاع القليل القليل من الشعراء والأدباء إيفاءهم بعض حقهم في الوصف.

* فقدان الشعور بالأمومة هل اثر على كتابتك للأطفال الفلسطينيين والأطفال بشكل عام؟

- الأطفال يشكلون شيئا أساسيا في حياتي وأكن لهم عاطفة قوية, على الرغم من أنني لم انجب أطفالا, وتعلقت بأحد الأطفال وهو الآن ابن لقريبي لدرجة قوية, إذ جاءت أمه يوما لتأخذه فإذا به يحضنني ويصرخ ويبكي فشعرت انه قد دخل قلبي من يومها وأنا اعزه كثيرا, ووضعت صورته على الجدار في معيشتي.

هذه إن كانت حادثة صغيرة إلا أنها أثرت في كثيرا, إذ أن أجمل ما في الحياة الشعور بعاطفة الأمومة, هذا المستوى الشخصي, من جهة أخرى فان الظاهرة التي عرفت فيما بعد لأطفال الحجارة, أبهرتني وجعلتني افرد لها قصائد كثيرة اعبر فيها عن مدى حبي لهذا الجيل المختلف في كل شيء في طموحه ومقاومته وصبره وبراءته وقدرته على التصدي باعتني القوى العسكرية التي لم تستطع على مجابهتها دول, فكان لأطفال الحجارة دورا رائدا في إذلالها وفضح سياستها أمام العالم.

فكتبت أيضا من قصيدة "شهداء الانتفاضة"

لن يمسك الموت الخؤون قلوبهم

فالبعث والفجر الجديد

رؤيا ترافقهم على درب الفداء

انظر في انتفاضتهم صقورا, يربطون الأرض

والوطن المقدس بالسماء

* في فترة توقف إنتاجك الشعري هذا كيف ترين الاهتمام ببدوي طوقان الإنسانة؟

- أنا غنية باهتمام ورعاية الناس لي, فأنا اجتماعية وعاطفية مع الناس أحبهم أتعاطف معهم, ولدي الكثير من الصداقات في هذه الفترة بالذات فترة مرضي شعرت حقا بمدى حب الناس لي ولمست ذلك من خلال الزيارات يوميا كالمطر علي, أما الاهتمام من الجهات الرسمية كان كبيرا فجامعة النجاح الوطنية كرمتني بإعطائي الدكتوراه الفخرية هذا بالإضافة إلى الجوائز المادية التي احصل عليها فالشيخ عبد الله العويسي من الشارقة قدم لي جائزة بقيمة 100الف دينار , وهناك العديد من الجوائز لا اذكرها, فأنا غنية والحمد لله معنويا وماديا .

البداية

 

قصائد مختارة

هدية لقاء في حيفا

"إلى شعراء المقاومة في الأرض المحتلة منذ عشرين عاماً .. " (4 / 3 / 1968)

على أبوابِ يافا يا أحِبائي

وفي فوضى حُطامِ الدُّورِ ، بين الرَّدْمِ والشَّوْكِ

وقفْتُ وقلتُ للعينين :

يا عينين قِفا نبكِ

على أطلالِ مَنْ رحلوا وفاتوها

تُنادي مَنْ بناها الدارْ

وتَنعى مَنْ بناها الدارْ

وأنَّ القلبُ مُنسحقاً

وقال القلبُ :

(ما فَعَلَتْ بِكِ الأيامُ يا دارُ ؟

وأينَ القاطنونَ هُنا ؟

وهلْ جاءَتْكِ بعدَ النأي ، هل جاءَتْكِ أخبارُ ؟

هُنا كانوا ، هُنا حلموا

هُنا رَسموا مشاريعَ الغدِ الآتي

فأينَ الحُلْمُ والآتي ؟ وأيْنَ هُمُو ؟

وأيْنَ هُمُو  ؟)

ولمْ ينطِقُ حُطامُ الدارْ

ولمْ ينطِقْ هُناك سوى غيابِهِمُو

وصمْت الصَّمْت والهِجرانْ

وكان هُناكَ جمعُ البومِ والأشباحِ

غريبَ الوجهِ واليدِ واللسانِ ، وكان

يُحوِّمُ في حواشيها

يمدُّ أُصُولَه فيها

وكانَ الآمِرَ الناهي

وكانَ ... وكانْ ...

وغُصَّ القلبُ بالأحزان

كان حمزة

واحداً من بلدتي كالآخرين

طيباً يأكل خبزه

بيد الكدح كقومي البسطاء الطيبينْ

قال لي حين التقينا ذات يوم

وأنا أخبط في تيهِ الهزيمة :

اصمدي ، لا تضعفي يا بنةَ عمي

هذه الأرضُ التي تحصدها نارُ الجريمة

والتي تنكمشُ اليوم بحزنٍ وسكوتْ

هذه الأرض سيبقى

قلبُها المغدورُ حياً لا يموتْ

البداية

 

تموز والشيء الآخر

على جسد الأرض راحت أنامله الخضر تنقل خطواتها

تقيم طقوس الحياة، تجوس خلال التضاريس، تتلو صلاة المطر

وتستنبت الزرع ريان من شريان الحجر

تبدل كل القوانين، تلغي أوان الفصول-

تغير في الأرض دوراتها

(أخبئ ما يثقل النفس، آه.... يطاردني الظل يعتم وجه الحلم

أخبئ ما يثقل النفس، من أين يأتي العذاب؟ من أي كهف يجيء الألم؟)

على جسد الأرض راحت تمر أنامله الغضة السندسية

طيورا تحط هنا أو هناك، فكل المساحات أوطانها

وراحت أنامله السندسية تلقي تمائمها فتذوب جبال الجليد

ومن آخر الأفق تطلع شمس الغروب بصبح جديد

ترد الدماء إلى جسد الأرض، ترجع أعيادها

(أخبئ ما يثقل النفس، تعصف ريح الكوابيس... أسقط

بين الرؤى والحقيقة

يطاردني الظل آه .. يضرج قلبي السؤال الجريح،

يسد عليه طريقه!)

وصارت خطوط يديه جداول

تذوب في جسد الأرض عطر البساتين تسقي تراب الخمائل

وصارت خطوط يديه انبهار الفصول، انبهار أساطير بابل

عشقناه تموز!

عشقناه تموز ينفض تل الرماد ويمنح ليلاتنا

شمسه الذهبيه

(أخبئ ما يثقل النفس، شجرة حزني على ضفة الحلم تنمو وتكبر

يطاردني الظل، آه... لماذا

لماذا يفتح في ظهر تموز جرح ويلمع خنجر؟!)

البداية

 

الكوكب الأرضي

هذا الكوكب الأرضي

لو بيدي

لو أني أقْدر أن أقْلِبه هذا الكوكبْ

لو أني أملك أن أملأه هذا الكوكبْ

ببذور الحبّْ

فتعرِّش في كلّ الدنيا

أشجار الحبّْ

ويصير الحب هو الدنيا

ويصير الحب هو الدربْ

لو بيدي أن أحميه هذا الكوكبْ

من شر خيار صعبْ

لو أني أملك لو بيدي

أن أرفع عن هذا الكوكبْ

كابوس الحربْ

أن أفرغه من كل شرور الأرضْ

أن أقتلِعَ جذورَ البُغضْ

أن أُقصي قابيلَ الثعلبْ

أقصيه إلى أبعد كوكبْ

أن أغسل بالماء الصافي

إخْوة يوسفْ

وأطهّرُ أعماق الإخوة

من دنسِ الشرْ

لو بيدي

أن أمسح عن هذا الكوكبْ

بصمات الفقرْ

وأحرّره من أسْر القهرْ

لو بيدي

أن أجتثّ شروش الظلمْ

وأجفّف في هذا الكوكبْ

أنهار الدمْ

لو أني أملك لو بيدي

أن أرفع للإنسان المتعبْ

في درب الحيرة والأحزان ْ

قنديل رخاء واطمئنانْ

أن أمنحه العيش الآمِنْ

لكن ما بيدي شيْء

إلاّ لكنْ

البداية

 

رجاءً لا تمُتْ

يا أخا الروحِ رجاءً لا تمُتْ

أو فخُذْ روحي معك

ليتني أحمِلُ عن قلبكَ ما

يوجع قلبك

لو ترى كم رفع القلبُ إلى اللّه

صلاة القلب كي يشفي بروح منه جُرحَك

يا أخا الروح رجاءً لا تمُتْ

نقطةُ الضوءِ بعمري أنت

نبراسي المضيء

ابْقَ لي أرجوك

ابْقَ الضوءَ والنكهةَ والمعنَى

وأحلى صفحةٍ في سِفْر شِعري

وّجَت آخرَ عمري

حلمٌ

حلمتُ...

رأيت قصائد قلبي التي لم أقلها

تموت واحدة بعد أخرى

حزنتُ... وقمت إليها

ألملمها جثثًا ورفاتْ

بكيت عليها وغسلّتها بالدموعْ

وسلّمتها لمهب الرياحْ

رجعت بخفي حنينْ

بكفين فارغتين

وظل شرود حزين يدبّ على مقلتيّ

وذكرى

بنيتُ لها معبدًا يتهجدُ قلبي لديه

ويضئُ الشموع

لذكرى قصائد ماتتْ

وليس لها من رجوعْ

البداية

 

أنشودةٌ للحبِّ

كان وراء البنت الطفلةِ

عشرةُ أعوامْ

حين دعته بصوتٍ مخنوقٍ بالدمعِ:

حنانك خذني

كن لي أنت الأبَ

كن لي الأمّ

وكن لي الأهلْ

وحدي أنا

لا شيء أنا

أنا ظلّ

وحدي في كون مهجور

فيه الحبُّ تجمّدْ

فيه الحسُّ تبلّدْ

وأنا الطفلةُ تصبو للحبِّ وتهفو

للفرحِ الطفْليِّ الساذجْ

للنطّ على الحبلِ

وللغوصِ بماءِ البركةِ

للّهو مع الأطفالْ

لتسلّق أشجارِ الدارْ

القمعُ يعذبني

والسطوة ترهبني

والجسم سقيمٌ منهار

أرفعُ وجهي نحو سماءِ الليلْ

أهتفُ

أرجُو

أتوسّل:

ظلّلني تحت جناحيكَ

أغثني

خذني من عشرة أعوامِي

من ظلمةِ أيامي خذنِي

وسّعْ لي حضنَك دَعْني

أتوسَّدُ صدرَك امنحني

أمنًا وسلام

يا بلسمَ جرحِ المطحونينْ

وخلاص المنبوذين المحرومينْ

خذني!

خذني!

يجري نهرُ الأيام يمرُّ العامُ

وراءَ العامِ وراءَ العامِ

الطفلةُ تكبَرُ والأنثى

وردةُ بستانْ

تتفتّح والأطيارُ تطوفْ

وتحوم رفوفًا حول الوردةِ

بعد رفوفْ

الزّمنُ الصعْبُ يصالحها

ومجالي الكوْن تضاحكها

والحبُّ يفيضُ عليها

من كلّ جهات الدنيا

ويطوّقها بتمائمه

ويباركها بشعائِرِه

ويساقيها من كوثرِهِ

ما أحلى الحبّ وما أبهاه!

الأنثى الوردةُ بعد سُراها

وتخبّطها في ليلِ متاههْ

تتربَّعُ في ملكوتِ الحبّْ

تصير إلههْ

هالاتُ النورِ تتوّجُها

وتلاطفها قُبَلُ الأنسامْ

ما أحلى الحبّ وما أبهاهْ!

فيه الليلُ سماءٌ تَهْمِي

تُمطر موسيقى وقصائدْ

وقناديلُ الكلماتِ تصبُّ

الضوءَ على أملٍ واعدْ

ما أحلى الحبّْ!

تتفتح فيه عيون القلبْ

ما أحلاه حين يمسُّ شغافَ القلبِ

فيبصرُ ما لا يبصرهُ العقلُ ويدرِكُ

ما لا يدركه الفكرُ ويسبرُ ما لا

تبلغُهُ الأفهامْ

ما أحلى الحبّ وما أبهاهْ!

كونٌ مكتملٌ ومعافى

لم يتشظَّ ولم يتمزَّقْ

يتناسق فيه العمرُ ويمسي

إيقاعًا كونيّ الأنغامْ

تتماهى فيهِ (أنا) مع (أنتْ)

تزهو بحوارٍ موصولٍ

حتى في الصمتْ

ما أحلى الحبّ وما أبهاهْ!

يحيا بين يديْه رميمْ

تندى أرضٌ, تحضرُّ عظامْ

فيه الزمنُ المسحورُ يقاسُ

بدقّاتِ القلبِ المبهورْ

لا بالسَّاعاتِ يُقاس ولا

بتوالي الأشهرِ والأعوامْ

ما أحلى الحبّْ!

البداية

 

إلى أين ؟

إلى أين تنأين عن جاذبية شيءٍ مقدّرْ

يشدك قسرًا إليه?

رويدك مَهْمَا تشبثت أنت بذيل القرار

ما من مفرْ

بأي جناحين أنت تطيرين هاربة منه

طيري كما شئت نحو أقاصي المدى

جناحاك من طينةِ الشمعِ الشمسُ

ملء الأقاصي وما من مفرْ

البداية

 

مع مروج

هذي فتاتك يا مروج ، فهل عرفت صدى خطاها

عادت اليك مع الربيع الحلو يا مثوى صباها

عادت اليك ولا رفيق على الدروب سوى رؤاها

كالأمس ، كالغد ، ثرة الأشواق . . مشبوبا هواها

هي يا مروج السفح مثلك ، إنها بنت الجبال

درجت على سفح الخضير ، على المنابع والظلال

روحا تفتح للطبيعة ، للطلاقة ، للجمال !

روحا شفيفاً رققته لطاقة الجو النضير

روحا رهيف الحس ، متقد العواطف والشعور

يهوى الجمال ، يعب لا يروى ، من الفيض الكبير

قد جئت ، ها انا ، فافتحي القلب الرحيب وعانقيني

قد جئت أسند ههنا رأسي الى الصدر الحنون

فهنا بحضنك أستريح ، أغيب ، أغرف في حنيني

وهنا ، هنا في جوُك المسحور ، جو الشاعريَة

كم رحت أستوحي الصفاء رؤى خيالاتي النقيَة

فتضمَني في نعمة الإلهام أجنحة خفيَة

كم رحت أرقب في انجذابي طلعة القمر الرهيف

متوحَداً ، تلقي الغيوم عليه هفهاف السجوفِ

أحلامه الفضية انتشرت على الأفق الشفيف

بيضاً ، كأحلامي ، نقيَاتٍ مجنحة الطيوف

كم رفَ قلبي يا مروج لكوكب الراعي الخفوقِ

سبق النجوم الى الطلوع وراح في الأفق السحيق

يصغي ، كما تصغين أنت معي ، الى الصمت العميق

ونذوب مندمجين ، متحدين بالكون الطليق !

أوَاه ، لو أفنى هنا في السفح ، في السفح المديد . .

في العشب ، في تلك الصخور البيض ، في الشفق البعيد.

في كوكب الراعي يشعُ هناك ، في القمر الوحيد . .

أواه ، لو أفنى ، كما أشتاق ، في كل الوجود !.

أوَاه ، لو أفنى هنا في السفح ، في السفح المديد . .

في العشب ، في تلك الصخور البيض ، في الشفق البعيد.

في كوكب الراعي يشعُ هناك ، في القمر الوحيد . .

أواه ، لو أفنى ، كما أشتاق ، في كل الوجود !.

البداية

 

خريف ومساء

ها هي الروضة قد عاثت بها أيدي الخريف

عصفت بالسَجف الخضر وألوت بالرفيف

تعس الإعصار ، كم جار على اشراقها

جرَدتها كفَه الرعناء من أوراقها

عريت ، لا زهر ، لا أفياء ، لا همس حفيف

ها هي الريح مضت تحسر عن وجه الشتاءِ

وعروق النور آلت لضمورٍ وانطفاء !

الفضاء الخالد اربدَ وغشَاه السحابُ

وبنفسي ، مثله ، يجثم غيم وضباب

وظلالٌ عكستها فيَ أشباح المساء !

وأنا في شرفتي ، أصغي الى اللحن الأخير

وقَعته في وداع النور أجواق الطيور

فيثير اللحن في نفسي غمَا واكتئابا

ويشيع اللحن في روحي ارتباكا واضطرابا

أي أصداء له تصدم أغوار شعوري !

الخريف الجهم ، والريح ، وأشجان الغروب

ووداع الطير للنور وللروض الكئيب

كلها تمثل في نفسي رمزاً لانتهائي !

رمز عمرٍ يتهاوى غاربا نحو الفناء

فترةً ، ثم تلفّ العمر ، أستار المغيب

سيعود الروض للنضرة والخصب السّريّ

سيعود النور رفّافاً مع الفجر الطّريّ

غير أني حينما أذوي وتذوي زهراتي

غير أني حينما يخبو غداً نور حياتي

كيف بعثي من ذبولي وانطفائي الأبديّ ؟!

آه يا موت ! ترى ما أنت ؟ قاس أم حنون

أبشوش أنت أم جهمٌ ؟ وفيٌّ أم خؤون ؟!

يا ترى من أي آفاق ستنقضّ عليّه؟

يا ترى ما كنه كأسٍ سوف تزجيها !!

قل ، أبن ، ما لونها ؟ ما طعمها ؟ كيف تكون ؟

ذاك جسمي تأكل الأيم منه والليّالي

وغداً تلقى الى القبر بقاياه الغوالي

وي ! كأني ألمح الدود وقد غشّى رفاتي

ساعياً فوق حطام كان يوما بعض ذاتي

عائثاً في الهيكل الناخر ، يا تعس مآلي !

كلّه يأكل ، لا يشبع ، من جسمي المذاب

من جفوني ، من شغافي ، من عروقي ، من غهابي

وأنا في ضجعتي الكبرى ، وحضن الارض مهدي

لا شعورٌ ، لا انفعالات ، ولا نبضات وجد

جثّة تنحل في صمتٍ ، لتنفى في التراب

ليت شعري ، ما مصير الروح ، والجسم هباء ؟!

أتراها سوف تبلى ويلاشيها الفناء ؟

أم تراها سوف تنجو من دياجير العدم . .

حيث تمضي حرّةً خالدةً عبر السُدم . .

ساط النور مرغاها ، ومأواها السماء ؟!

عجباً ، ما قصة البعث وما لغز الخلود ؟

هل تعود الروح للجسم الملقّى في اللحود ؟

ذلك الجسم الذي كان لها يوما حجابا !

ذلك الجسم الذي في الأرض قد حال ترابا !

أو تهوى الروح بعد العتق عودا للقيود ؟!

حيرةٌ حائرةٌ كم خالطت ظنّي وهجسي

عكست ألوانها السود على فكري وحسّي

كم تطلعت ؛ وكم ساءلت : من أين ابتدائي؟

ولكم ناديت بالغيب : الى أين انتهائي؟

قلقٌ شوَش في نفسي طمأنينة نفسي!

البداية

 

الشاعرة والفراشة

هناك فوق الربوة العالية

هناك في الأصائل الساجيه

فتاة أحلام خالية

تسبح في أجوائها النائيه

الصمت والظلّ وأفكارها

رفاقها ، والسرحة الحانية

حياتها قصيدة فذّة

منبعها الحسّ ونيرانه

وحلم محيّر تائه

من قلق اللهمة ألوانه . .

حياتها بحر نأى غوره

وإن بدت للعين شطآنه

رنت فتاة الشعر مأخوذةً

بصور الطبيعة الخالية

والأفق الغربي تطفو به

ألوانه الورديه اللّاهبه

كأنه أرض خرافيّةٌ

هوت اليها شمسه الغاربه

ودّت وفيها لهفٌ كاسح

لو تأخذ الكون الى صدرها

تحضنه وتشبع الروح من

آياته الكبرى ومن سحرها

تعانق الأرض . . تضمُ السنا

تقبّل الغيوم في سيرها

ودفعت بعينها في المدى

تنهبه بالنظرة الواغله

ما أجمل الوجود ! واستغرقت

في نشوة فائضة شامله

تلتهم الكون بإحساسها

بقلبها، بروحها الذّاهلة

ما أجمل الوجود !! لكنها

أيقظها من حلو أحساسها

فراشة تجدَ لت في الثرى

تودعه آخر أنفاسها

تموت في صمت كأن لم تفض

مسارح الروض بأعراسها

دنت إليها و انثنت فوقها

ترفعها مشفقة حانيه:

أختاه ، ماذا ؟هل جفاك الندى

فمتّ في أيامك الزاهية ؟

هل صدّ عنك الزهر ؟هل ضيّعت

هواك أنسام الربى اللاهيه؟

كم أشعلت روحك حمّى الصبى

وأنت سكرى بالشذى و الرضاب

طافرةً بين رياض الهوى

راقصة فوق الربى و الهضاب

توشوشين الزهر حتى يُرى

منفعلاً من هذيانِ الشباب

كم بلبل بالورد ذي صبوةٍ

ألهبت فيه الغيرة السّاعرة

كم زنبق عانقته كم شذى

روّيت منه روحك الفائره.

فأين منك الآن دنيا الهوى

وأين أحلام الهوى الساحره!!

ماذا ؟ تموتين ؟ فوا حسرتا

على عروس الروض بنت الربيع

أهكذا في فوران الصّبى

يطويك إعصار الفناء المريع

وحيدةً ، لا شيّعتك الربى

ولا بكى الروض بقلب صديع

أختاه لا تأسي فهذي أنا

أبكيك بالشعر الحنون الرقيق

قد أنطوي مثلك منسيّةً

لا صاحب يذكرني أو رفيق

أواه : ما أقسى الردى ينتهي

بنا الى كهف الفناء السحيق !

واضطربت اعماقها مثلما

دوّم إعصارٌ بقلب الخضم

و انتفضت مذعورة في أسىً

و ارتعدت مرعوبة في ألم

فلم يكن يصدم أحلامها

إلا رؤى الموت وطيف العدم

وحدّقت في غير شيء وقد

حوّمت الأشباح في رأسها

ولا صور الوجود خلابة

تنبعث النشوة في نفسها

ولا رؤى الخيال رفّافة

تخدّر المحموم من هجسها

و دفق الليل كبحر طغى

فانحدرت تحت عباب المساء

تخبط في الدرب و قد غمغمت

شاخصة المقلة نحو السماء

يا مبدع الوجود ، لو صنته

من عبث الموت و طيش الفناء !.

البداية

 

أوهام في الزيتون

في السفح الغربي من جبل

(جرزيم) حيث تملأ مغارس الزيتون

القلوب و العيون ، هناك ، ألفت

القعود في أصل كل يوم عند زيتونة

مباركة تحنو على نفسي ظلالها،و تمسح

على رأسي غذ بات أغصانها : و طالما

خيل الي أنها تبادلني الألفة و المحبة،

فتحس أحساسي و تشعر بشعوري.

و في ظلال هذه الزيتونة الشاعرة،

كم حلمت أحلاماً ، و وهمت أوهاماً !.))

هنا،هنا، في ظل زيتونتي

تحطّم الروح قيود الثرى

و تخلد النفس الى عزلة

يخنق فيها الصمت لَغوَ الورى

هنا، هنا، في ظل زيتونتي

في ضفة الوادي . يسفح الجبل

أصغي الى الكون و لمّا تزل

آياته تروي حديث الأزل

هنا يهتم القلب في عالم

تخلقه أحلامي المبهمه

لأفقه في ناظري روعة

و للرؤى في مسمعي هيمنه

عالم أشواق سماويةٍ

تطلق روحي في الرحاب الفساح

خفيفةً لا الأرض تثنى لها

خطوا و لا الجسم يهيض الجناح

واهاً : هنا يهفو على مجلسي

في عالم الأشواق روحٌ حبيب

لم تره عيناي لكنني

أحسه مني قريباً قريب !

أكاد بالوهم أراه معي

يغمر قلبي بالحنان الدّ فيق

يمضي به نحو سماء الهوى

على جناح من شعاع طليق

زيتونتي ،الله كم هاجسٍ

أوحت به أشواقي الحائره.

وكم خيالات وعى خاطري

تدري بها أغصانك الشاعرة

نجيّتي أنت و قد عزّني

نجيُ روحي يا عروس الجبل

دعي فؤادي يشتكي بثّه

لعل في النجوى شفاءً ، لعلّ !

يا ليت شعري أن مضت بي غداً

عنك يد الموت الى حفرتي

تراك تنسين مقامي هنا

و أنت تحنين على مهجتي ؟!

تراك تنسين فؤداً وعت

اسراره أغصانك الراحمات

باركها الله ! فكم ناغمت

وهدهدت أشواقه الصارخات

زيتونتي ، بالله إما هفت

نحوك بعدي النسمة الهائمة

فاذ ّكري كم نفحتنا معاً

عطورها الغامرة الفاغمة

و حين يستهويك طير الربى

بنغمةٍ ترعش منك الغصون

فاذّ كري كم طائرٍ شاعرٍ

ألهمه شدودي شجّي اللحون!

تذكّرني كلما شعشعت

أوراقك الخضراء شمس الأصيل

فكم أصيل فيه شيعتها

بمهجة حرّى و طرف كليل

إن يزوها المغرب عن عرشها

فالمشرق الزاهي بها يرجعُ

لكنني ،آها !غداً تنزوي

شمس حياتي ثم لا تطلع !

ويحي؟ أتطويني الليالي غداً

وتحتويني داجيات القبور

فأين تمضي خفقات الهوى

وأين تمضي خلجات الشعور

ونور قلبي ،والرؤى والمنى

وهذه النار بأعماقيه

هل تتلاشى بدداً كلها

كأنها ما ألهبت ذاتيه؟!

أما لهذا القلب من رجعة

للوجد ،للشعر ، لوحي الخيال؟

ايخمد المشبوب من ناره؟

واشقوة القلب بهذا المآل !

يا ربّ ، إما حان حين الردى

و انعتقت روحي من هيكلي

و أعنقت نحوك مشتاقةً

تهفو الى ينبوعها الأول

و بات هذا الجسم رهن الثرى

لقىًعلى أيدي البلى الجائرة

فلتبعث القدرة من تربتي

زيتونة ملهمةً... شاعره !.

جذورها تمتصّ من هيكلي

ولم يزل بعدُ طرياً رطيب

تعبّ من قلبي أنواره

ومنه تستلهم سرّ اللهيب !.

حتى إذا يا خالقي أفعمت

عناصري أعصابها و الجذور

انتفضت تهتز أوراقها

من وقدة الحسّ و وهج الشعور

و أفرعت غيناء فينانة

مما تروّت من رحيق الحياة

نشوى بهذا البعث ما تأتلي

تذكر حلماً قد تلاشت روءاه

حلم حياة سربت و انطوت

طفّاحة بالوهم .. بالنشوة

لم تك إلاّ نغماً شاجياً

على رباب الشوق و الصبوة!

البداية

 

مع سنابل القمح

أوت الى الحقل كطيف كئيب

يرسو بعينها أسى غامر

في روحها اللهفى اضطراب غريب

وقلق مستبهم ، خائر . . .

غامضة ، في العمق أغوارها

فيض انفعالات وإحساس

صيّرها شذوذ أطوارها

غريبة في عالم الناس

تأملت في السنبل الوادع

يموج في الحقل زكيّا نماه

تكاد في سكونها الخاشع

تسمع في السنبل نبض الحياه

وفي رؤى خيالها الشارد

منجذباً بروعة السنبل

لاحت لعينيها يد الحاصد

يخفق فيها شبح المنجل

رأت رغيفا جبلته دموع

دموع مكدودين مستضفين

أنضاء حرمان وبؤس وجوع

هانوا على الرحمة والراحمين

رأته في كفّ غنيّ بخيل

سطت عليه يده الجانيه

الخبز في كيانه يستحيل

خلجات شح كزّةً قاسية

ومدّت الأفكار أظلالها

فلم تزل شاخصة في وجوم

من أبصر استغراقها خالها

مخبولة تهيم فوق الغيوم

كانت تناجي ما وراء الفضاء

قوى القضاء الغامض المبهم :

من يمطر الرزق على ذي الثراء

ويمسك الرزق عن المعدم ؟

كم بائس ، كم جائع ، كم فقير

يكدح لا يجني سوى بؤسه

ومترف يلهو بدنيا الفجور

قد حصر الحياة في كأسه

أرحمه الله بعليا سماء

تقول أن يكتظّ جوف الثري ؟!

ويحرم المعوز قوت الحياة

في عيشه المضطرب الأعسر

أليس في قدرته القادره

أن يمسح البؤس ويمحو الشقاء !

أليس في قوّته القاهره

أن يغمر الأرض بعدل السماء !

وراعها صوت عميق مثير

جلجل فيها مثل صوت القدر :

لم تحبس السماء رزق الفقير لكنه في الأرض ظلم البشر . .

وأطرقت ، نهباً لشك مريب

يملؤها منه أسىً غامر

في روحها اللهفى اضطراب غريب

وقلق مستبهم ، حائر!..

البداية

 

هروب

كرهت حقائق دنيا الورى

وهمت بأوهام دنيا الخيال

فما يتصبّاك إلا الرؤى

وسحر الطيوف وسحر الظلال

متى يا ابنة الوهم تستيقظين

متى ينجلي عنك هذا الخيال

أفيقي ، كفاك ، لقد طال مسراك

عطشى وراء سراب الرمال

تعيشين في ذهلة الحالمين

بعيداً بآفاق كون عجيب !

ويملأ روحك في قيده

حنين المشوق وشجو الغريب

ومن فلك الأرض كم تطلقين

خيالك فوق الفضاء الرحيب

يجوز مدار النجوم ويمعن

في اللانهائيات ، عبر الغيوب

قفي ، أين تمضين ؟ فيم اندفاعك ، من ذا ترين بأفق الشرود

وما هذه ؟ رجفة في كيانك ممّا تشدّ عليه القيود

تمرّد روحك في سجنه

يريد يحطّم تلك السدود

ليسمو طليقاً خفيف الجناح

وراء الزمان ، وراء الحدود

قفي ؟ أين تمضين ؟ من ذا ترين

هنالك عبر الفضاء العظيم ؟

وماذا يشوقك ؟ أم من ينادي

ويومئ من شرفات السديم ؟

تمر امامك هذي الحياة

مواكب مختلفات الرسوم

فتلوين وجهك لا تنظرين ..

وفي مقلتيك ظلال الوجوم

ألا كم تهمين في عالم

تناءى بعيداً بعيداً مداه

وفي عمق روحك شوق ملح

جموح لظاه ، عنيف ظماه

تراك هنالك تستلهمين السموات سرّ الردى والحياه

تراك هنالك تستطلعين خفايا الوجود وكنه الإله ؟!

ألست في الارض ؟ فيم انخطافك ؟ فيم انجذابك نحو الاعالي

أأنكرت في الارض هول الفناء ، وظلم القضاء ، وجور الليالي

تراك افتقدت جمال العدالة فيها ، فهمت بأفق الخيال

محيّرة ولهاء ، تنشدين الحقيقة في غامضات المجالي

أراعك في الأرض سيل الدماء وبطش القوى والرزايا الكبر

أراعك فيها شقاء الحياة ؟

اراعك فيها صراع البشر ؟

أمن صرخات القلوب الدوامي

تعضّ عليها نيوب القدر

تلوذين في لهف ضارعٍ . .

بكونٍ تسامى نقيّ الصور

بلى ن هي هذي المآسي الكبار تعذّب فيك الشعور الرقيق

فتنأين عن واقع راعبٍ

الى عالم عبقريّ سحيق . .

هو الوهم ، عالمك الشاعريّ ، المثاليّ ، مسرى الخيال الطليق

توحّدت فيه بأشواقك الحيارى ، بهذا الحنين العميق!

البداية

 

أشواق حائرة

ماذا أحس ؟ هنا ، بأعماقي

ترتجّ أهوائي و أشواقي

بي ألف إحساس يحرّقني

متدافع التيار ، د فّاق

ألف انفعال ، ألف عاطفة

محمومة بدمي ، بأعراقي

ماذا أحسّ ؟ أحسّ بي لهفاً

حيران يغمر كلّ آفاقي

جفت له شفتاي و ارتعشت

أظلاله العطشى بأحداقي

نفسي موزّعة ، معذّبة

بحنينها ، بغموض لهفتها

شوقٌ إلى المجهول يدفعها

متقحمّاً جدران عزلتها

شوقي الى ما لست أفهمه

يدعو بها في صمت وحدتها

أهي الطبيعة صاح هاتفها ؟

أهي الحياة تهيب بابنتها؟

ماذا أحسن ؟ شعور تائهةٍ

عن نفسها ، تشقى بحيرتها

قلبي تفور به الحياة و قد

عمقت ومد ّت فيه كالامد..

فتهتزّ أغواري نوازعه

صخّابةً ، فاقة المدد

و يظل منتظراً على شغف

و يظل مرتقباً على وقد

أحلام محروم تساوره

متوحد في العيش منفرد

و يود لو تمضي الحياة به

للحب ،مصدر فيضها الابدي!

و هناك تومىْْْءلي السماْْْْْْْْء وبي

شوق إليها لاهف عارم

فأحس إحساس الغريب طغى

ظمأ الحنين بروحه الهائم

و أرى كواكبها تعانقني

بضيائها المترجرج الحالم

تهمي على روحي أشعتها

وتلفّه بجناحها الناعم

فأودّ لو أفنى و أدمج في

عمق السماء و نورها الباسم

مالي يزعزعني ويعصف بي

قلق عتيٌ جائح الألم

تتضارب الأشواق حائرة

في غور روحي ، في شعاب دمي

الأرض تعلق بي و تجذ بني

و تشدّ قبضتها على قد مي

و هناك روحي هائم شغف

بالنور فوق رفارف السدم

مستحقراً الأرض ، تفزعه

دنيا التراب ، وهوّة العدم

روحي يلوب بدار غربته

عطشاً الى ينبوعه السامي

فهناك أصداد يسلسلها

صوت السماء بروحي الظامي

وهنا ،هنا ،الأرض يهتف بي

صوت يقيّد خطو أقدامي

صوتان .. كم لجلجت بينهما

يتنازعان شراع أيامي

أنا كيان تائه قلق

يطوي الوجود حنانه الظامي !

البداية

 

ليل وقلب

هو الليل يا قلب ، فانتشر شراعك ، و اعبر خضّم الظلام العميق

وجذف بأوهامك الراعشات في زورق ما به من رفيق

وأنك كالليل شيء كبير ..

بعيد القرار سحيق سحيق

وفيك كألغازة المبهمات

أفانين من كل لغز دقيق

هواجس مختلفات رؤاها

تهوّم طوراً و طوراً تفيق

ولليل يا قلب أي امتدادٍ

يحيط بهذا الوجود العظيم

سرى و احتوى الكون في عمقه

فلف ّالبحار ولفّ الأديم

وكالليل أنت ، حويت وجوداً

من العاطفات كبيراً جسم

ففيك السماء ، وفيك الخضمّ، وفيك الجديد ، وفيك القديم !

وتنتظم الكون في خفقةٍ

وأنت بجنبي هنا لا تريم !

و دونك يا قلب هذا الفضاء

تجوز به السحب العابرة

مراكب تمخر إثر مراكب

تدفها قوّة قاهرة

كأني أرى في شكول السحاب

نواتيّ أبصارهم حائره

أضلّوا المنار فهم تائهون

يغذون في اللجج الكافره

كذلك أنت ببحر الحياة

توهان في ظلم سادره

ورجرجة النجم كم ساجلتك

بصدر السماء خفوق الحنين

أبا النجم ما بك من لهفة

أبا النجم مثلك شوق دفين؟

أتجهش في قلبه الذكريات

وتأخذ منه بحبل الوتين؟

فما باله قلقاً خافقاً يراعي الدجى في سهوم حزين

لعلّ أليفاً له قد هوى

وبات كخذنك في الآفلين!

وأصغ معي في السكون الرياض

وقد لفّها غسق الغيهب

طيور توشوش جنح الدجى

وتكشف عن همّها المختبي

فهذا الخريف تدبّ خطاه

ليعصف بالزهر المعجب

ويخنق ألحان أشواقها

ويلوي بترجيعها المطرب

و كيف تغنّي لزهر ذوى

بروضٍ سليب الحلى مجذب

وأنت ... وأنت تخاف الخريف

و تشفق من ريحه العاتيه

تخاف على زهرات الصبّى

تبدّدها كفّه القاسيه

فلا نور يشتاق طل الصباح

و يوحي بأنغامك الظاميه

تخاف تزايلك الملهبات

و تخمد أشواقك الطاغيه ...

ويفرغ نايك من لحنه

ويثوى حطاماً بأضلاعه

وسعت عوالم يا قلب ماجت

يحم الطيوف وشتّى الصور

أحاسيس حيرى تهيج وتطغى

هياج العباب اذا ما غمر

وأخرى تهبّ ، هبوب النسيم

تنفّس في جانحيه الزهر

وتظلم يا قلب حتى كأنك

ليل بصدري الكظيم اعتكر

وتشرق حتى إخال الضياء

بأقطار نفسي منك انتشر

وتخصب طوراً فكلك حبّ

يعانق قلب الوجود الرحيب

تفيض سلاما كأن يد الله مرّت عليك بنفخ رطيب

تحبّ العدوّ وتحنو عليه

وخنجره منك دام خضيب

وطوراً تغيض سوى من رواسب كرهٍ عصيٍ وبغض رهيب

كأنّ أكفّ الشياطين غلغلن فيك فأنت مخوف جديب . .

فيا قلب ، يا أحد الأصغرين ، كيف اتسّعت لهذا الوجود

وكيف احتمالك هذا الزحام ومن خلجاتٍ كثار العديد . .

تحبّ وتبغض حراً طليقاً

فلا من سدود ولا من قيود

تصدّ نداء المحب القريب

وتهوى نداء العدو البعيد !

فيا لك أعمى يقود زمامي

كما شاء فعل اللجوج العنيد !

هو الليل يا قلب ، فانشر شراعك واعبر خضمّ الظلام العميق

وجذف بأوهامك الراعشات في زورقٍ ما به من رفيق

البداية

 

حياة

حياتي دموع

وقلب ولوع

وشوق ، وديوان شعر، وعود

حياتي ، حياتي أسىً كلهّا

اذا ما تلاشى غداً ظلّها

سيبقى على الأرض منه صدى

يردد صوتي هنا منشداً :

حياتي دموع

وقلب ولوع

وشوق ، وديوان شعر ، وعود

بليل الشجون

وعمق السكون

تمر أمامي كحلم سرى

طيوف أحبّاي تحت الثرى

فتزعج ناري خلف الرماد

ويغرق سيل الدموع وسادي

دموع الحنين

الى راحلين

مضوا وطواهم ظلام اللحود

بقلبي اليتيم

تنادي كلومي

أطلّ بروحك يا والدي

لتنظر من أفقك الخالد

فموتك ذلٌ لنا أيّ ذلّ

ونحن هنا بين أفعى وصل

ونفث سموم

وكيد خصوم

بدنيا العقوق ، بدنيا الجحود

ويبدو خيال

بغفو الليالي

خيال أبي شقّ حجب الغيوب

بعينيه ظلّ شعورٍ كئيب

أراه فتهم له أدمعي

ويحنو علي ويبكي معي

وأدعو : تعال

رحيلك طال

بمن نستظل وانت بعيد!

وفي ليل سهدي

يحرّك وجدي

اخٌ كان نبع حنانٍ وحبّ

وكان الضياء لعيني وقلبي

وهبّت رياح الردى العاتية

واطفأت الشعلة الغالية

وأصبحت وحدي

ولا نور يهدي

ألجلج حيري بهذا الوجود

وهذا شبابي

أمان كوابي

شباب سقاه الأسى ورواه

اذا ما دعته إليها الحياه

وأشواقها ، شدّه ألف غلّ

وطوّقه ألف طوق مذلّ

شباب عذاب

رهين اغتراب

يضيع شذاه بأسر القيود :

واطرق رأسي

بوحشة يأسي

وفي الروح تصخب أشواقها

وفي النفس ترعد آفاقها

وأفزع للشعر سلوة روحي

أصور أشواق عمر ذبيح . .

فيهدأ حسي

وتخشع نفسي

وتسكن لهفة روحي الشريد

وأجذب عودي

لقلبي الوحيد

فتخفق أوتاره باللحون

تهدهد قلبي وتجلو شجوني

بفنّي وشعري والحان عودي

أصارع آلام عمر شهيد

وهذا نشيدي

نشيد وجودي

سيبقى ورائي صداه يعيد :

حياتي دموع

وقلب ولوع

وشوق ، وديوان شعر ، وعود!

البداية

 

طمأنينة السماء

عج الأسى في نفسها الشاعره

في ليلة مقرورة كافره

وحيدة ، ضاق بها مخدع

توغل في الوحشة السادره!

كم شهد المكبوت من شجوها

تثيره خلجاتها الثائرة . .

كم التوت فيه على قلبها

تبكي أماني قلبها العاثرة

وكم ، وكم ، ولا يد برّةٌ

تأسو جراح الزمن الغائرة !

تنهدت مما عراها ، وقد

مالت على شرفتها حانيه

وقلّبته بصراً تائهاً في

جوف تلك الظلمة الغاشية

لا ومضة تخفق من كوةٍ

لا نبأة تصعد من ناحية

سوى هزيز الريح تهتاجها

أصداؤه المفجوعة الباكيه

وقلبها المحروم ما يأتلي

يدقّ خلف الأضلع الواهيه !

ورجّت الوحشة أعماقها

في هيكل الليل الكئيب الضرير

فاصطرعت فيها أحاسيسها

كاللج يطغي في الخضم الكبير

ووثبت أشباح آلامها

مجنونة ، تشب شبّ السعير

فجمدت في جفنها دمعة

تصاعدت من قلبها المستطير

ثم همت محرورةً مرةً

كأنها تضرّع المستجير

تلفّتت وراءها في أسى

نحو مهاوي أمها الغابر

لعلّ في أغواره لمحةً

تلوح من ذكرى سني عابر

لعلّ في الماضي وأطيافه

عزاءها من قسوة الحاضر

فما رأت غير حطام المنى

على صخور القدر الغادر . .

وبعض أشلاء هوىً حالم

مرتطم بالواقع الساخر . .

وسرّحت أمامه طرفها

عبر غدٍ مكتنف بالضباب !

فأبصرت ، ما أبصرت ؟ مهمهاً

مستبهم الافق مخوف الشعاب

تبعثرت فيه الصور واختفت

معالم السبل وراء اليباب

وهي على الدرب ذعور الخطى . .

رفيقها الوحدة والإغتراب . .

والظمأ الكاسر لا يرتوي

في قلبها الهائم خلف السراب ! . .

وكان أقسى ما شجى نفسها

وابتعث الراعب من هجسها

تدفق الظلمة في يومها . .

في غدها المحروم . . . في أمها . .

ظلمة عمرٍ كل أيامه

ليل تدجّى في مدى حسها

النور ، أين النور ؟ هل قطرة

تسيل منه في دجى يأسها

من أين والأقدار قد جفّفت

منابع الأضواء من نفسها

وفي شرود مبهم غامضٍ

تعلقّت مقلتها بالسماء !

فانشق صدر الليل عن كوكب

مشعشع الوهج دفوق الضياء

كان روح الله من فوقه

تمدّه بنورها عن سخاء

فانخطفت في ذهلة روحها

خلف النهايات . . وراء الفضاء

هناك حيث النور لا ينتهي

هنالك حيث النور فوق الفناء

هناك غشّتها طمأنينة

علويّة ما لمداها حدود

وصاح من أعماقها هاتف

ينتظم الأرض صداه البعيد

يا أرض ، أحزانك مهما قست

وطبّقت حولي مجالي الوجود

هيهات ان تلمس روحاً سرى

فيها من الله ضياء الخلود !.

البداية

 

في درب العمر

أتيت درب العمر مع قلبي

أغرس زهر الحب في الدرب

ليغرق الناس بأشذائه

تنهل في دفق وفي سكب

ليغمر الصحب بعطر الهوى

فينعموا في فيئه الرطب

فبعثروا زهري بأقدامهم

و وطأوه في الثرى الجدب ! . .

وارتجّ قلبي خلف صدري أسى

ولجّ في دقّ وفي وثب

فقلت : في أهلي وفي أخوتي

غنىّ عن الناس ، عن الصحب

وخلتني ملأت منهم يدي

وخلتهم قد ملأوا قلبي . .

فلم يطل وهمي حتى هوى

خنجرهم وغاص في جنبي !

وضحكت نفسي في سرّها

هازئةً منّي ومن حبي . .

وسرت مع قلبي وحيدين . . لا

شيء سوى الأشواك في الدرب !

البداية

 

في ضباب التأمل

في ليلة مجنونة الإعصار ، ثائرة مثيرة

تتراقص الأشباح فيها خلف نافذتي الصغيرة

ألقيت فوق وسادتي آلام روحٍ مثقلٍ

مصدومة شاردة أقلب في الظلام كتاب عمري

صور ، وأطياف كئيبات ، تلوّن كل سطر

فهنا خيال شاحب لم ترحم الدنيا ذبوله

هذا خيال طفولة لم تدر ما مرح الطفولة

وهنا صباّ عضّت عليه قيود سجنٍ واضطهاد

باكٍ ، ذوت أيامه خلف انطواء وانفراد . .

وهنا شباب ما يزال يجوس قفراً بعد قفر

متحرّق أبدا إلى شيء . . إلى ما لست أدري ! . .

تغدوه فوق دخانها متعطشاً يقفو السرابا

أحلامه الحيرى معلقّة بأفلاك الغيوم

ستظل أحلاماً عطاشى ، تائهات في السديم

وهناك عن قمم النزوع ؛ هناك عن قمم الطموح

دنيا منىً ، وبروج آمال تهاوت للسفوح . .

وتململت بقفار قلبي ، في فراغ توحدّي

نفسٌ تسائل نفسها في حيرة وتردّد :

لم جئت للدنيا ؟ أجئت لغاية هي فوق ظني ؟

املأت في الدنيا فراغا خافياً في الغيب عني ؟

أيحس هذا الكون نقصاً حينما أخلي مكاني ؟!

وأروح لم أخلف ورائي فيه جزءاً من كياني؟!

إن كان غيري في وجودهم امتداد للوجود

صورٌ ستبقى منهم يحيون فيها من جديد . .

فانا سأمضي ، لم أصب هدفاً ولا حققّت غاية !

عمر نهايته خواء فارغ . . مثل البداية !

هذي حياتي ، خيبة وتمزّقٌ يجتاح ذاتي

هذي حياتي ، فيم أحياها ؟ وما معنى حياتي؟!

البداية

 

من الأعماق

سرت وحدي في غربة العمر ، في التيه المعمّى ، تيه الحياة السحيق

لا أرى غاية لسيري . . ولا أبصر قصداً يوفي إليه طريقي

ملل في صميم روحي ينساب ، وفيض من الظلام الدفوق

وأنا في توحّشي ، تنفض الحيرة حولي حولي أشباح رعب محيق

سرت وحدي ، في التيه ، لا قلب يهتزُّ صدى خفقه بقلبي الوحيد

سرت وحدي ، لا وقع خطو سوى خطوي على المجهل المخوف البعيد

لا رفيق ، لا صاحب لا دليل ، غير يأسي ووحدتي وشرودي

وجمود الحياة يضفي على عمري طلّ الفناء . . . طل الهمود

والتقينا . . لم أدر أي قوىً ساقتك حتى عبرت درب حياتي

كيف كان اللقاء ؟ من ذا هدى خطوك ؟ كيف انبعث في طرقاتي

لست ادري لكن رأيتك روحاً يوقظ الشوق في مسارب ذاتي

ويذرّي الرماد عن روحي الخابي ، ويذكي ناري ، ويحي مواتي

حدّقت مقلتاك فيّ ، وآلامي يغشّي ضبابها مقلتيّه

لست أدري ما استجلتاه ولا ما رأتا خلف وحدتي الأبديّه . . .

غير أني أبصرت روحك تهتّز انعطافاً ، في رقة علويّه

وهنا خلتني شعرت بروح الله رفّت من السماء عليّه!

وافترقنا ، و بين كفّي رسمٌ

لم يزل كلّ زاد روحي المتيّم

كم تلمّست عمق عينيك فيه

و بعينيّ أدمعٌ تتضرّم ...

يا لقلبي ، كم راح بين يديه

يهتك الحجب عن هواه المكتّم..

أصغ ، تسمع عبر الصحارى صداه

يترامى إليك شعراً مرنّم !

البداية

 

غب النوى

مضيت ؟ إلى أين؟ هلاّ تعود إليّ ، إلى روحي اللاّئب

حنانك ، ضفت وضاقت حياتي بهذا الصدى المحرق اللاهب

بأشواقي العاتيات تزلزل صدري ، في عنفها الصاخب

حنانك ، قلبي يذوب وراءك ، أوّاه من قلبي الذّائب

تلفّت ، وراع بقايا تذوي و تنفى مع الأمل الغارب

مضيت ؟ و كيف ؟ ألا رجعة

تردّ إلى القلب دنيا رؤاه

لقد أقفز الكون في ناظري

و غشّى الظلام مجالي ضياه

وكيف أحسّ جمال الوجود

ووجهك عني توارى سناه

فما أقبح العيش يا موحشي

وياما أشدّ سواد الحياه

وأنت بعيد بعيد هناك ...

وقلبي وحيد يعاني أساه

مضيت ؟ فيا لحني إليك

وواهاً لأمسي القريب البعيد

زمان أمرّ بدرب الكروم

وللدرب نفح جنان الخلود..

ويشرد طرفي ويطوي المدى

ولقياك غاية طرفي الشرود

وفي القلب نار جموح الوقود

ينادي بها الشوق : يا نار زيدي

وطرفي قرير بذاك الشرود

وقلبي سعيد بذاك الوقود

ويفجأني وقع خطو بعيد

ورائي ، إليه طويلا

ويهتف قلبي : هذي خطاه

أرى في صداها عليه دليلا

خطى العنفوان ، خطى الكبرياء

تنمّ عليه عظيماً نبيلا

وتختطف الروح غيبوبةٌ

وقد رحت تدنو قليلاً قليلا

وأغرق في حلم ساحرٍ

أحال حياتي فنـّا ً جميلا

وفي غمرات الذهول العميق

تطالعني القـامه الفارعه

فأشخص ، ثم أغضّ حياءً

واكسر من لهفتي الجائعه

وأبدي جمود الخليّ كأن لم

ترجّ دمي الطلعة الرائعه

وتحت جمـــودي اضطراب عصوف

أداريه مغضبةً وادعـه

وتحت جمودي من العاطفات

أعاصير جارفة دافعه

وتنهب عيناك وجهي وقد

عرا مهجتي منهما ما عرا

فيمحني بعينيّ كلّ الوجود

ويمحي بعينيّ كلّ الورى

وما لفتة النسر يا فتنتي

تطلـّع من عاليات الذرى

وسلــّط لحظاً على إلفه

عنيف التوقّد مستكـراً

بأروع منك وعيناك فيّ

أوارٌ تلظـّى وسحر سرى

وتمضي ، وأمضي مع العابرين

وما بيننا غير نجوى النظر

وطيف ابتسام على شفتيك

ووهج هيام بعمقي استعر

وقد هبط الليل حلو الغموض

خلوب الرؤى ، عبقري الصور

وماجت مع الريح خضر الكروم

مشعشعة بضياء القمر

وفاض الوجود شعوراً و شعراً

وذاب من الوجد حتى الحجر !

سل الدرب كم جئت غبّ النوى

أجرّ الخطى في الغروب الحزين

وحولي من الذكريات الخوالي

طيوف تثير لهيب الحنين

أخاف تكرّ عليها الليالي

وتدفن تحت ركام السنين

فيبسط قلبي جناحي هواه

عليها ويحنو حنوّ الضنين

وأنت بأعماقي روحي صلاة

يسبّح باسمك روحي الأمين

مضيت ؟ إلى أين ؟ هلاّ تعود

لروحي اللهيف ، لقلبي الغريب؟

توحّدت بعدك يا موحشي

على الدرب ، درب الكروم الجديب

أسير إلى غير ما غاية

وكفّي على جرح قلبي الخضيب

وفي مقلتي ّ غيوم حزانى

وفوق جبيني وجوم كئيب

وسمتك في خاطري ماثل

يهيج الحنين ويذكي اللهيب

إلى أين ؟ رحماك يا ابن الصحارى

وبرّد ظماء الفؤاد العميد

فما برمال عطاشى نمتك

كهذا الغليل الملّح العنيد

إلى أين؟ يا لك طيفاً ألمّ

وعانق روحي بحلم سعيد

ويا لك وهم سراب تألق

في قفز عمري لقلبي الشريد

حنانك عد؛ كيف أحيا الحياة ، وأنت هناك بعيد بعيد

البداية

 

إلى صورة

(( لاتتكلم ، إن التفسير يقلل من طرافة الموضوع ! ))

اذهبي ، واعبري الصحارى إليه

فإذا ما احتواك بين يديه

ولمحت الأشواق في مقلتيه

مائجـات أشعةً وظلالا

مفعمات ضراعــةً وابتهالا

فإذا الليل سفّ منه الجناح

ومضت في انسراحها الأرواح

تتلاقى على مهاد الأثير

عبر آفاق عالم مسحور اللاشعور

عالم الحلم ، مسبح اللاشعور

فاسبقني أنت كل حلم إليه

واستقرّي هناك في جفنيه

عانقي روحه ، ورفّي عليه

انشديه شعري وغنّي لحوني

في هواه ،

بثّيه كلّ شجوني

صورّي لهفتي له وحنيني

حدّثيه . . حتى يلوح الصباح

فاذا قبّل النى عينيه

وصحا ، لم يجد هناك لديه

غير (( لا شيء)) ماثلاً في يديه

وارجعي أنت صورةً بكماء

وجهها خامدٌ بلا تعبير

ميّت القلب والهوى والشعور !.

هكذا وليظل حبّي سرا

غامضاً ،

إن للغموض لسحرا

آسراً ، يجذب النفوس اليه

حيث تبقى مشدودة في يديه

ليس تقوي على الفكاك

فكوني

أنت مثلي لديه عمقاً وغورا

هكذا ، وليظلّ نهب الظنون

تائها بين شكه واليقين!.

أنت روح طائر . . يشدو على كل الغصون . .

يرتوي من خمرة الحب ، ومن نبع الفتون

وأنا روح سجين قصّت الدنيا جناحي

نغمي ينبيك عني ، عن مدى عمق جراحي !

رحمة يا شاعري ، وانظر الى اصداء روحي

إنها في شعري الباكي استغاثات ذبيح!

إنها يا شاعري أنات مظلوم طريد

إنها غصّات مخنوق بأطواق الحديد

كلّما ضمّك حضن الليل في صمت وحزن

ومضى قلبك حيران الهوى يسأل عني . .

أرهف السمع ، تجد روحي مجروح النداء .

ضارعاً في ألمٍ:

رحماك لا تظلم وفائي!

البداية

 

سموّ

أحبّك للفنّ ، يسمو هواك بنفسي نحو الرحاب العلى

فيدني إليها معاني السماء ، وينأى بها عن معاني الثرى

سموت بقلبي وروحي فراحا يفيضان بالشعر شعر الهوى

ونضّرت عيشي ، فأمسى غضيراً ترف عليه زهور المنى

ورفرف في القلب حلم سعيد جميل الخيالات حلو الرؤى

وقد كنت في وحشة لا أرى لي أليفاً يبدّد عنّي الأسى

فلا النفس يسعدها فيض حب ، ولا القلب يسطع فيه السنى

الى ان تجليت روحاً مشعاً كنجم تلألأ لأبن السّرى

فضوّ أت أيامي الحالكات وأفغمتها بذكيّ الشذى

وأحييت نفسي بأسمى هوى هو الخلد أو نفحات السما

وأرويت روحي بصوب الحنان كالروض أرواه صوب الحيا.

ومن عجب أنني لا أراك ولكن أحسك روحاً هفا

يحن إليّ ويحنو عليّ وينساب حولي هنا أو هنا

إذا ما صحوت ، اذا ما غفوت ، اذا ضجّ يومي وليلي سجا

رقيقاً شفيفا كنور الصباح زكياً نقياً كقطر الندى

فيا أيها الروح ، ما أنت ؟ قل لي ، أأنت من الله روح الرضى ؟

وهل أنت ظلّ الأمان الظليل دنا ليّ من سدرة المنتهى ؟

ترى شعّ نور الإله بنفسي ليجلو الطريق ويهدي الخطى ؟

وهل للملائك الحان حبٍ فأنت بقلبي رجع الصدى ؟

فإني أحسّك روح الرضى وظلّ الأمان ونور الهدى

وأصغي لدقّات قلبي لحناً طهوراً بعيد المدى

يوقعه حبك المستفيض فيذهلني وقعه المشتهى

وتغمرني سكرات التجلي كأن الإله لعيني بدا ! . .

أخالك صورة حبس كبير

جلاها لعيني وحي السما

تهيئ روحي لصوفيّةٍ

وتنفض عنها غبار الثرى

البداية

 

في محراب الأشواق

هذا مكانك ، ههنا محراب أشواقي وحبّي

كم جئته والدمع ، دمع الشوق مختلج بهدبي

كم جئته والذكريات تفيض من روحي وقلبي

يمددن حولي ظلهن ، وينتفضن بكل درب

هذا مكانك ، كم أتيت الى مكانك موهنا

تمضي بي الساعات لا أدري بها ، وأنا هنا

روح أصاخ لهتفة الذكرى ، وللماضي رنا

يتنسم الجوّ الحبيب ، ويستعيد رؤى المنى

هذا مكانك ، مثل روحي ، فيه إحساس كئيب

متحسرٌ . . يصبو الى الماضي ، الى الامس الحبيب

متسائل عن شاعرين ، هواهما حلم غريب

كم رنّحا بالشعر جوّهما ، ففاض جوى مهيب

هذا مكانك ، أين أنت ؟ وأين أطياف الفنون ؟!

المقعد الخالي يحنّ إليك مرفقه الحنون . .

أسوان ، يرمقني وقد أهويت أنشج في سكون

ومواجدي ملهوفة الثيران ، تهدر في جنون ؟

ذنبي الذي قد هاج ثورة قلبك المرتفع

كَِفَرت عنه بأدمعي ، بتنهدي بتوجعي

كفرت عنه بما ترى من ذلتي و تخشعي

و يخفض قمة كبريائي الشامخ المتمنع !

ذنبي ؟ و ما ذنبي ألا ويلاه من ظلم القيود !

ما حيلتي و الغل في عنقي على حبل الوريد

أواه ؛ حتى انت لم تنصف قلبي الشهيد؟!

أواه؛ حتى أنت تضلمني مع القدر العنيد؟!

قلبي يئن، يلوب في ألم ، يسائل في شرود:

لم لا يعود ؟ فلا يجيب سوى صدى : (لم لا يعود )

و أروح ، في شفتي أشعار، و في كفي عود

و أععاتب الأيام ..و الزمن المفّرق ..و الوجود !..

لم لا تعود ؟ أنا هنا وحدي بهيكل ذكرياتي

وحدي ، و لكني أحسّك في دمي ، في عاطفاتي

أصغي لصوتك ، للصدى المنغوم في أغوار ذاتي

و أراك من حولي ، و في ّ ،و ملء آفاق الحياة !..

البداية

 

قصة الموعد

هنا في جوانحي الخافقة

هنا ملء مهجتي العاشقة

نما أمل العمر يا شاعري

تغذيه لهفي الحارقة

و ترويه أشواقي الدفقة

و راحت مع الأمل المسعد

ترف بقلبي رؤى الموعد

و حلم اللقاء ،لقاء الغد

و كنت أقول لقلبي اللهيف :

و راحت مع الأمل المسعد

ترف بقلبي رؤى الموعد

و حلم اللقاء ، لقاء الغد

وكنت أقول لقلبي اللهيف :

رويدك يا قلبي ، ماذ دهاك

رويدك ، أي جنون عراك

وأي اصطخاب وأي اندفاع

وكأنك مستقبل في عراك

تصارع فيه انتظار السنين !

رويدك زعزعت صدري الضعيف

بهذا الخفوق القويّ الضعيف

بهذا الوثوب، بهذا الصراع

وكنت أقول لأشواقه :

تحملت دهراً عذاب الفراق

وأنت على ظمأ واحتراق

فما بالك اليوم لا تصبرين

فما وقف الفلك الدائر

ولا اليوم ليس له آخر

مساء و يمضي و يأتي الغد يجمعنا الموعد

ونلقاه ، أوّاه كم تهدرين

رويدك عصفت بأضلاعه

وقطّعت أنفاسي الواهيه

ورحت بأشواقي الجامحات

أشق السحاب وأطوي السما

ورائي تموت ليالي العذاب

أمامي ترفّ مجالي الهناء

ونفسي سكرى بحلم اللقاء

تشعشع من فرح باللقاء

فكنت أحس بها تتألق في روعة .. في سنىً .. في بهاء ..

تذرّ على الكون أنوارها

وتغمره ببحار الضياء ..

فما كنت أعلم هل أنا ذاتي ، أم أنا نجم يجوب الفضاء !! أفي الحب قوّة خلق تحيل نفوس الحبين كيف تشاء ؟

ترى ما الهوى ؟ أهو روح الحياة ؟ ترى ما الهوى ؟ أهو سر البقاء

أتعرف ما هو ؟ قل لي ، لا ، لا تقل لي ودع سرّه في انطواء

فسحر الهوى هو هذا الغموض وسحر الهوى هو هذا الخفاء

كفافي بأن الهوى قد أحال فراغ حياتي غنىً وامتلاء

وإني وإياك قصة حبّ

يخلّدها الشعر رغم الفناء !

وكان الغد الحلو يا شاعري

تنسمت في جوّه الناضر

شذى الموعد المقبل الساحر

وقلبي في نزق ثائر

يعدّ خطى الزمن السائر

ويرقص في خفة الطائر ..

وأقبلت .. روح هوى خافقاً

يلاقيه دربٌ ويطويه درب

أحث خطاي وملء كياني

رؤى لاهثات وشعر وحب

وهل أنا إلا ّخيال يشبّ

وهل أنا إلاّ شعورٌ وقلب

وكان يصوّر قلبي اللقاء

وماسيجيء .. وما سيكون !

وكيف ستلقى العيون العيون

وكيف سيصرخ فيها النداء

نداء الحنين .. نداء السنين

فنخنقه تحت خفض الجفون

وكيف سترجف أشواقنا

وكيف سترعش كفٌ بكف

وقلبي وقلبيك معتنقان

على راحتنا بشوق ولهف !!

كطيرين راحا معاً يلهثان انبهارا ، وفرط اختلاج ورفّ.

فيا لخيالات حرمانيه!

ويا لخرافة ميعاديه!

فما كنت أعلم شاعري

بأن يد القدر الجانيه

تلوح لي برؤى المستحيل

وتصنع منهنّ حلمي الجميل

لتحكم ضربتها القاسية

وتلهو بمأساتي الدّاميه . .

فها أنا بالدار ، ماذا ؟ فراغٌ يمد ووحشة صمت كئيب

وقفل ثقيل ، يعض على الباب كالوحش ، أبكم لا يستجيب

تمثّل لي قدراً راصداً

يحدّ جني بجمود رهيب

تراجعت ، أين أنا ؟ أين أنت ؟ فواحيرتي في المكان الغريب

ويا صعقة الروح ؛ ماذا ؟ ضللت طريقي ، وغمّت عليّ الدروب

فما كانت الدرب درب اللقاء ولا كانت الدار دار الحبيب !

وأحسست في أفق روحي ظلاماً وأحسست في غور قلبي دويّا

دوّي فراديس حلم اللقاء تنهار فيه وتهوي هويا !!

وأطرقت . . يعقد يأسي المرير سحابة دمع ٍعلى مقلتيا

هناك على شاطىء كم حواك

و كم ضم من ذكريات هواك

تململ قلبي فوق الرمال

يعانق ذرّاتها في ابتهال

و أجهشت في وله ضارع

و قد بتّ من يأسي الفاجع

أفتش عن عالمي الضائع !!

هنا و انتهت قصة الموعد

و لا شيء من أملي في يدي

سوى غصص اليقظة القاسية

تبدّد أحلام أشواقيه

و تنقض وحشية ضارية

على قلبي التائه المجهد!!

البداية

 

نار و نار

بجسمي قفقفة و انخذال

فيا نار زيدي لظى و اشتعال

و مدّي يجوّي دفيء الجناح

فللبرد عربدة و اجتياح

و أما تسعين احتدام النضال

نضال العواصف فوق الجبال

وأنت اعصفي ، واملئي ليلني

بدفء بهدّيء من رعدتي

فحولي يدب صقيع الشتاء

فبثّي الحرارة في غرفتي

ألا يا إبنة الأعصر البائدة

ألا قدّست روحك الخالدة

ثبي وازفري ، ننضنضي والهبي

بلى ، هكذا ، هكذا واسربي

بروحك في عزلتي الهامدة

وفي قلب جدرانها الباردة

بلى ، هكذا عانقي ذاتية

بموجة أنفاسك الدافيه

أحسّ بقرب لظاك الحبيب

شعوراً غريب

خفياً كألغازك الخافيه

فها أنا أطفىء مصباحيه

وأعنو لغمرة إحساسيه

فتحملني نحو ماضٍ سحيق

وأرنو هناك لطيف رقيق

لطيف طفولتي الفانيه

بأيامها المرة القاسية

وإذ أنا يا نار شيء صغير

يفتش عن نبع حب كبير

سدّي ، ويظل لقىً مهملا

فيمضي الي

رؤاه ، وفي أفقهنّ يطير

وإذ انت دنيا غموض تلوح

لعين خيالي الطليق السبوح

فكنت رفيقة أوهاميه

ومسرح أحلام يقظاتيه

وادفع نحوك جسماً وروح

وأخشع قرب لظاك الجموح

وأمضي ، وفيّ انجذاب عميق

أحدّق مأخوذة بالحريق

وأرقب في سكرة وانذهال

جموح الظلال

ترجرج فوق الجدار العتيق

وألمح خلف اشتعال الحطب

وقد شبّ في ثورة والتهب

خيالا لدوحٍ قديم وريف

نمته الحياة بغابٍ كثيف

قد ازدحمت في حشاه الحقب

. . . وكنت إخال كأن اللهب

تعانق فيه ضياء القمر

ولون الغروب ، ولون السحر

وكل شعاع على الدوح مر

وظل عبر

قد ارتدّ في اللهب المستعر

وفي سبحاتي بدنيا الأوار

تباغتني حزمة من شرار

قد انقذفت من فم الموقد

تؤزّ ؛ فأرسل فيها يدي

هنا وهناك بشوقٍ مثار

لأخطف تلك النجوم الصغار

فكانت تروغ وتركض في

مداها ، وسرعان ما تختفي

وأسأل نفسي : أين يغيب

شرار اللهيب

وهل تحزن النار إذ ينطفي

وها أنا يا نار لو تعلمين

فتاة طوت حزمةً من سنين

وما زلت رغم العهود الطوال

تثيرين فيها جموح الخيال

وحين تفورين أو تزفرين

كأنك نفسٌ تقاسي الحنين

أغوص الى عمق أغواريه

أجوس عوالمها القاسيه

فألمس فيها أواراً غريب!

وما من لهب !

أوار شعوري وإحساسيه!

أمن عنصر النار أعماقيه؟

أروحك يا نار بي ثاويه

فما هذه العاطفات الحرار

لها في الجوانح أيّ استعار

وما هذه اللهفة العاتيه

تشب فتلهب خلجاتيه

وتعكس وهجاً على مقلتيّه

وتلفح لفحاً على شفتيّه

وهذا الحنين ، وهذا القلق

وهذي الحرق

كأن بذاتي ّ ناراً خفيّه!

مضى الليل غير هزيع قصير

و أنت همدت كأهل القبور

و حبّات جمرك بعد اتّقاد

خبت و استحالت تلول رماد

أتخمد مثلك نار شعوري

غدا ، و تؤول لهذا المصير ؟

أيغشى أواري رماد السنين ؟

أيهمد قلبي كما تهمدين ؟

لماذا ؟ أتدرين ؟ أم أنت مثلي

أسيرة جهل

أجيبي أجيبي، أما تسمعين ؟!

البداية

 

في مصر

يا مصر ، حلم ساحر الألوان ، رافق كل عمري

كم داعبت روحي رؤاه فرفّ روحي خلف صدري

حلم كظل الواحة الخضراء في صحراء قفر

أن اجتلي هذا الحمى . . . واضمه قلباً وعين. .

واليوم ، في حلم أنا ، أم يقظةٍ ، أم بين بين !؟

صدحت بقلبي إذ وطئت ثراك أنغامٌ سواحر

فكأنما في قلبي المأخوذ غنّى الف طائر

وغرقت في أمواج إحساسٍ بعيد الغور فائر

أأنا هنا ؟ في مصر ، في الوادي النبيل ؟!

أأنا هنا في النيل ، في الأهرام ، في ظل النخيل ؟!

وتلفتت عيناي في دهشٍ ، وفي لهف غريب . .

ماذا ؟ هنا الدنيا الخلوب تثير أهواء القلوب . .

ماذا ؟ هنا نار الحياة تؤجّ صارخة اللهيب . .

في كل مجلىً فتنةٌ رقصت ، وسحرٌ مدّ ظلّه

ماذا ؟ أمصرٌ أم رؤى أسطورةٍ من ألف ليله!؟

كيف اتجهت تجاوبٌ وصدىً لموسيقى الوجود

في النيل يعزف لحنة الأبدي للشط السعيد

في وشوشات النسمة المعطار ، في النخل الميود

حتى النجوم هنا أحسّ لهنّ الحاناً شجيّه

حتى السحاب أخاله تحدوه موسيقى خفيّه

يا مصر ، بي عطش الى فرح الحياة . . الى الصفاء . .

يا مصر ، نحن هناك أمواتٌ بمقبرة الشقاء

لا يطمئن بنا قرارٌ . . . لا يعانقنا رجاء . . .

لا شيء إلا ضحكة الهزء المرير على المباسم !

كالضحكة الخرساء قد يبست على فك الجماجم!!

نفسي مصدّعة . . فضميني لأنسى فيك نفسي

قست الحياة وأترعت بمرارة الآلام كأسي

والظلمة السوداء مطبقة على روحي وحسي

فاحني عليّ وزوّديني من مفاتنك الجميله . . .

هي نهزة لم أدر كيف سخت بها الدنيا البخيله !

يا ليتني يا مصر نجم في سمائك يخفق

يا ليتني في نيلك الأزليّ موجٌ يدفق

يا ليتني لغزٌ ، أبو الهول احتواه ، مغلق . . .

تهوى وتنسق الدهور مواكباً ، وأنا هنا

بعض خفيٌ من كيانك لست أدرك ما أنا !!

يا مصر حلم ساحر الألوان رافق كل عمري

كم داعبت روحي رؤاه ، فرف روحي خاف صدري

حلم كظل الواحة الخضراء في صحراء قفر

أن أجتلي هذا الحمى وأضمّه قلباً وعين

واليوم في حلم أنا ؟ أم يقظة ؟ أم بين بين ؟!

البداية

 

وأنا وحدي

في الليل ، إذ تهبط روح الظلام

مرسلة فيه الرؤى الهائمة

يطيف بي في يقظتي الحالمه

طيف ولكن ما له شكل

يحضنه جفني ، ولا ظلّ

وإنما بحسّي الملهم

أعيه شيئاً ملغزاً مبهم

كأنما طلسمه الليل

وكلما رفعت في وحدتي

له مصابيحي انزوى في القتام

في الليل ، اذ تنعس روح الوجود

يخطفني شيء وراء الفضاء

كأنما تحملني في الخفاء

ضبابة تسير في تيه

لا لمعة تجلو دياجيه

لكن روحاً غير منظور

وإراده دوني ألف ديجور

أحسّه في لا تناهي المدى

يشّدني الى بعيد بعيد

في الليل إذ تخشع روح السكون

أسمع في الهدأة صوتاً غريب

صوتاً له طعم ولون رطيب

طعم ، ولكن غير أرضي

لون ، ولكن غير مرئي

طيب ، ولكن . .

لا ، فما أدري

ما كنهه ، كأنما يسري

من عالم هناك غيبيّ

تظل روحي وهي مأخوذة

تصغي اليه من وراء الدجون

ما أنت يا من في ظلال الليال

احسّه ملء حنايا الوجود

في الأرض ، في الأثير في اللاحدود

في قلب قلبي في سماواتي

هلاّ توضّحت لآفاقي ؟!

هلاّ تجسّدت لأشواقي ؟!

هلاّ ؟

ولكن كيف ؟

هيهات

فأنت مثل الغيب ما تنجلي

يا لغز . . يا حقيقة كالخيال !

البداية

 

وجود

كنت على الدنيا سؤالا شريد

في الغيهب المسدول

جوابه استتر

وكنت لي إشراق نور جديد

من عتمة المجهول

أطلعه قدر

دار به الفلك

ودار مرتين . .

حتى انتهى إلي

إشعاعه الفريد

وانقشع الحلـك

وفي انتفاضتين

وجدت في يدي

جوابي الفقيــد

يا انت ، يا أنت القريب البعيد

لا تذكر الأفول

روحك يستعــر

الكون لي ولك

لنـا ، لشاعرين

رغم المدى القصي

ضمّتها وجود !!

البداية

 

تهويمة صوفية

أي لحن مسلسل رقراق

راح ينساب في مدى الآفاق

أيقظ الكون حين منبثق الفجر على غمرةٍ من الأشواق

وإذا الحب ملء هذا الوجود الرحب يسري في روعة وانطلاق

وإذا الكائنات يغرقها الوجد الإلهيّ في سنى الاشراق !

السموات من حنين ووجدٍ

خاشعات خلف الغيوم الرقاق

والجبال الشّماء تشخص نحو الله سكرى في ذهلة المشتاق

وندى الفجر في الرياض الحوالي

أدمع الشوق رقرقت في المآقي

كلّ ما في الوجود من روعة اسم الله في نشوةٍ وفي استغراق !

أي لحن مخلّد سرمديّ

من لحون الآزال و الآباد

أي لحن قد صيّر الكون أغرودة حب رخيمة الإنشاد

يا لهذا النشيد تنطلق الأرواح فيه من ربقة الأجساد

يا لهذا النشيد أوغل في أعماق ذاتي محطّماً أصفادي

يا لقيدي الارضيّ يسحقه اللحن ويذروه حفنةً من رماد

وإذا الروح في تجرده يسمو مشعّاً كالكوكب الوقّاد

عانق اللحن مصعداً وتوارى يتخطى شواسع الأبعاد

غارقاً في صفائه ، قد تغشّته غواشي غيبوبةٍ وامتداد

كلّما رنّ في السكون صدى تسبيحة الله رائع الترديد

و سرت في الأثير الطهر و أوغلن في الفضاء البعيد

أهطعت أنفس و ذابت قلوب

يزهيها الفناء في المبعود !

و تسامىالشعور يلهب فيها

خلجات الأيمان و التمجيد

يا لهذا الصفاء ..يا لتجّلي الله .. يا روعة الجلال الفريد!

لكأني بالكون يهتف : يا رب ، و يمضي مستغرقاً في الشرود

لكأني أحسّ و شك اتصالي .. لكأني أشم عطر الخلود!

أنا يا رب ّ قطرة منك تاهت

فوق أرض الشقاء و التنكيد

فمتى أهتدي الىمنبعي الأسمى و أفنى في فيضه المنشود

ضاق روحي بالأرض ،بالأسر ،بالقيد ،فحرر روحي و فك قيودي

ضمني ، ضمني ،فقد طال انفصالي ،و طال بي تشريدي

البداية

 

من وراء الجدران

من وراء الجدران

بنته يد الظلم سجناً رهيباً

لوأد البريئات أمثاليه

وكرّت دهور عليه وما زال يمثل كاللعنة الباقيه

وقفت بجدرانه العابسات

وقد عفّرت بتراب القرون

وصحت بها : يا بنات الظلام

ويا بدعه الظلم والظالمين

لعنت ؛ احجبي نور حريتي

وسدّي عليّ رحاب الفضاء

ولكن قلبي هذا المغرّد

لن تطفئي فيه روح الغناء

فقلبي يد الله صاغته لحناً

تدفقّ من عمق نبع الحياه

ورغم شموخك يا مجرمات

يرنّ على كل أفق صداه

لعنت ؛ اختفي كل حلم ينضر قلبي ويغذوه عطراً ونور

فأحلام قلبي لن تنتهي

ولو حجبته زوايا القبور !

وإني وإن أوثقتني لديك

بألف وثاق أكفّ الغباء ..

فلي من خيالي وفنّي ودنياي ألف جناح وألف سماه

ألا كم براعم قلبي نمتها

لديك هنا لعنات القدر

ذوت تحت أصفادها وانحلت

على ذاتها أملأ منتحر

كما انحطم الناي واللحن فيه

حبيس فما رفّ يوماً بفم

كذلك كانت تموت وفيها

نشيد الحياة حبيس النغم

وكانت تموت وفي قلبها

خيال الغدير وصوت الخرير

وأنت هنا كالألى شيّدوك

أنانيةٌ مات فيك الشعور

لعنت ، سواي أمامك تعنو

وتخرسها غضبات الطغاه

ولكن مثلي ستبقى برغمك

بنت الطبيعة ،بنت الحياه!

أغني ولو سحقني القيود

أغاريد نفسي وأشواقها

تبارك لحني أمي الحياة

فلحني من عمق أعماقها

البداية

 

في سفح عيبال

ها أنا وحدي في ثنايا الجبل

كأنني أسطورة تائهة

تهمسها الريح بإذن السفوح

ها أنا والفضاء حولي غزل

والكون عشق ، ورؤى والهه

وأنت قلبي وعيني روح

يومىء لي نحو غدٍ أخضر

يغفو الشذا في دربه المزهر

ها انا وحدي ومعي صبوتي

ترف في صدري بألفي جناح

وانت سر في كياني استتر

وكلما هتفت من فرحتي

اسأل : ما أنت ؟ سمعت الرياح

تقول لي في مثل همس القدر

إنك يا حبي نشيد الخلود

وإنني صداك عبر الوجود

وتعتريني نفضة من شعور

بغبطة تملأ أحنائيه

كأنها لحن مضيء النغم

فأنثني أحفر فوق الصخور

إسمك في نشوة إحساسيه

وأشبع الأحرف لثماً وشم

والفرح الكبير يا حبي

تهدر موسيقاه في قلبي

وترتمي عيناي في مرتمى

أفق بعيد حال ما بيننا

وكلما أشخص روحي تراك

أحسّ عينيك وما فيهما

من وهج يطفر منه السّنى

حولي تشعّان بنجوى هواك

نارهما السوداء كالصاعقة

تنقضّ من نظرتك الحارقة

وأرسل ((الآوف)) غناء حنون

يسيل من روحي وأوصالي

فتنتشي ((بالأوف)) حتى السفوح

لحن هوىً ، مرتعشٌ بالحنين

سمعته يوماً (( بعيبال)) . .

إذ أنت في السفع غريب الجروح !

فبات وهو اليوم أغنيتي

يحملني اليك في وحدتي

هل نلتقي ؟ أواه ؛ هذي أنا

سوسنة فتّح أكمامها

دفء الهوى والأمل المشرق

تلوي بها الريح ، وتبقى هنا

تستودع السفوح أحلامها

وأنت عطر مسكر يعبق

في دمها . . أوّاه هذي أنا

وحدي هنا في السفح وحدي هنا !!

البداية

 

يتيم وأم

هاضه الوهن ، وأعياه الألم

وسطا الضعف عليه والسقم

خاشع الأطراف من إعيائه

ما به يقلب كفّاً أو قدم

متداعٍ جسمه ، منخذلٌ ، لجّت الحمى عليه فاضطرم

ساكن الأوصال إلا بصراً

زائغاً ، يطرف حيناً ، ويجم

ابن سبع برّح اليتيم به

رحمة الله له نضو يتم

كسرت من طرفه مسكنةٌ

لبست هيأته منذ انفطم

وا حناناه لأمٍ أيّمٍ

طوت النفس على خوف وغم

فنضت عنها الثياب السود ؛ لا

لا تظنوا جرحها الدامي التأم

بل لدفع الشؤم عن واحدها

يا لقلب الأم إن أشعر هم !

وبدت في اليبض من أثوابها

من رأى إحدى حمامات الحرم

عطفت من رحمة تحضنه

إنما دنيا اليتامى حضن أم

ومضت تمسح بالكف على

جبهةٍ رهن اشتعال وضرم

ولقد تندى فتخضّل له

وفرة ٌ مثل الظلام المدلهم

نظر الطفل اليها صامتاً

وبعينيه حديث وكلم . . .

ليت شعري ، ما به ؟ ما يبتغي

أبنفس الطفل سؤلٌ مكتتم ؟

لو أراد النجم لاحتالت له

كل سؤل هيّن ، مهما عظم

وحنت تسأل عن طلبته

فرنت عين له ، وافترّ فم . .

قال : يا أمي . واسأليه رجعةً

فلكم يفرح قلبي لو قدم !

لا تسل عن جرحها كيف مضى

من هنا أو من هنا ينزف دم

ضمّت الطفل اليها بيدٍ

وبأخرى مسحت دمعاً سجم

عزّ ما يطلبه ، يا رحمتا

كيف تأتي برفات ورمم !؟

قلّب البؤس على أوجهه

لن ترى كاليتيم بؤساً محتكم

ينشأ الطفل ولا ركن له

ركنه من صغر السن انهدم

خائضاً في لجج العيش على

ضعفه ، والعيش بحر محتدم

تائهاً في ظلمٍ ما تنتهي

حائراً يخبط في تلك الظلم

ليس في الدنيا ولا في ناسها

فهو يحيا في وجود كالعدم

البداية

 

الروض المستباح

أين الغناء العذب يا طائري

تسبق فيه كلّ شادٍ طروب

وأين أفراح الصبّا الزاخر

باللهو ، أم أين المراح الدؤوب

مالك تلقي نظرة الحائر

يريد يستجلي خفايا الغيوب ؟

وما الذي في قلبك الشاعر

قل لي ، فإن البثّ يشفي القلوب

ما ترى حولك همس الورق

يسكبه في أذن الجدول

كأنه نجوى محبٍ سرق

هنيهةً من غفلة العذ ّل

والزّهر الرفاف إما عبق

عبيره يسري مع الشمأل

وهذه الدنيا ، وهذا الألق

فمتّع النفس ولا تهمل

بين الفراشات وزهر الربيع

هيمنة الصبّ ، إذا يعتب

ويح الفرشات ، هواها خدوع

تلهو بهذا ، و بذا تلعب

كم توهم الزهر هيام الولوع

و قلبها يا طائري قلّب

فيها إلى التبديل طبع نزوع

و الطبع غلاّب فما يغلب

وهذه الوردة ذات الرّواء

كم تشتهي لحنك في حبها

بلبلها اليوم إليها أفاء

وأرسل العطر إلى قلبها

وفيّ لها ، تلقى الوفاء

أجمل ما تهداه من صحبها

غنّّ ومتّعها بهذا الصفاء

أو ، لا، فلن تنجو من عتبها

سوا عجبي ! صمتك رهيب

يا طائري ، ضمّن معنى الحذر

ترمي بلحظ الصقر نحو الدروب

كأنما أنذرت منها بشر

ما تأتلي ترقب كالمستريب

أشعر من حوليه وشك الخطر

أقعى ، على أهبته للوثوب ،

في كبرياء تتحدّى القدر!

ماذا أرى ؟ هذاك (بومٌ) غريب

منطلق ، حبهم المحيا ، وقاح

يحوم في الروضة حوماً مريب

غدوّه متّهم .. والرواح

يطلّ من عينيه قلب جديب

لكنه أرعن ، فيه جماح

اقتحم الباب اقتحام الغصوب

وجاس في الروض طليق الجناح !

عيناه إذ ر أرأتا جمرتان

قد شبّتا ، ما تطمعان الكرى

عن وكرك المطول لا تحسران

تطلّــعاً يا طائري منكراً ..

أشرع منقاراً كحد السنان

مضاؤه ، ملتويـــاً أحمرا

ومخلباً يصرع قلب الأمان

يا ضيعة الوكر وقد أشهرا

ما شأن ذيّاك الدعيّ الدخيل

في الروض ، والروض حماك الحبيب

وكيف يغدو مستباحا ذليل

أو غرضاً يرمي بسهمٍ غريب

أغضيت عن روضك دهراً طويل

يا طائري ، مغرىً بحلم كذوب

واليوم تصحو عن خيالٍ جميل

مضى مع السّحرة ، غبّ الهبوب !

أنفض جناحيك من الرقدة

يا طائري ، أخشى عليك المصير

لا تمكن (البوم ) من الروضة

أرى لذاك (البوم ) شأناً خطير

أضبّ اليوم للوكر على شرّة

فيما أراه ، وأذى مستطير

عليك بالحذر ، فكم غفلة

يؤخذ منها المرء أخذاً نكير

ويلك ، لا تأمن غريب الديار

فخلفه من مثله معشر

يا طائري ، إنّ وراء البحار

مثل عديد الذرّ لو تنظر

تربّصوا في لهفة وانتظار

ودبّروا للأمر ما دبّروا . .

تحفزهم تلك الأماني الكبار

وأنت أنت المطمع الأكبر

البداية

 

على القبر

(( إلى روح إبراهيم))

آه يا قبر ، هنا كم طاف روحي

هائماً حولك كالطير الذبيح

أو ما أبصرته دامي الجروح

يتنزّى فرط تبريحٍ ويأس

مرهقاً مما يعنّيه الحنين

وهنا يا قبره أشوق نفسي

يا لأشواق على تربك حبس

وهنا قبلة أحلامي وهجسي

قرّبتني الدار ، أو طال نزوحي

فخيالي بك رهنٌ كل حين

إن نأى بي البعد ردّتني إليك

لاعجات ما تني وجداً عليك

لست تدري أي دنيا في يديك

من حنان وبشاشاتٍ وأنسٍ

يا قلبي ! أصبحت في الهامدين

آه يا قبراً له إشعاع نور

لا أرى أجمل منه في القبور !

فيك دنياي ، وفي قلبي الكبير

مأتم ما انفكّ مذ بات لديك

قائماً يأخذ منه بالوتين

وإذا ينزف دمع المقل

يجهش القلب أسىً ما يأتلي

نادبـــاً عندك أغلى أمل

باكياً فيك نصيري وظهيري

ساكباً من ذوبه غير ضنين

أوحش السامر من ذاك السمير

غير أصداء فؤادٍ وشعور

نغم أفعم أمواج الأثير

بالاماني والهوى والغزل

وترامى بين أحضان السنين

زهرة عطّرت الدنيا بنشر

ثم مالت بين أحلام وشعر

وذوت عن عمر للزهر نضر

هكذا تنفذ أعمار الزهور

و الشذا باقٍ بروح العابرين

كلما أشرق في الليل القمر

مترعاً بالنور أعصاب الزهر

أظلمت نفسي و هاجتني الذكر

كيف غيّبتك في ظلمة قبر

كيف أسلمتـــك للترب المهين

وإذا ران على الدنيا هجود

وغفا فيها شقيٌّ وسعيد

لم يزل يهتف بي صوتٌ بعيد

من وراء الغيب وافى وظهر

ومضى يهمس همس العاتبين

عتبه أخذي بأسباب البقاء

أتملـّى من وجودٍ وضياء

وعديل الروح في وادي الفناء

السّنى ضنّ عليه والوجود

فهو بالحرمان لم يبرح رهين

أيها الهاتف من خلف الغيوب

ما ترى نبع حياتي في نضوب ؟

لم أزل أضرب في عيش جــديب

موحشٍ كالقفر ، موصول الشقاء

منذ أمسى نجمه في الآفلين

أين إبراهيم مني ، أين أين؟!

حبة القلب ونور الناظرين

أنا من عيشٍ وموت بين بين

فلعل الحين موفٍ عن قريب

يمسح الجرح والآم الحنين

البداية

 

اليقظة

أيها الشرق ، أي نور جديد

لاح في عتمة الليالي السود

لف شمّ الجبال والسهل والحزن ، وهام الربى ورمل البيد

وإذا أنت يفتح النور عينك ، فتصحو على الضياء الوليد

وتمطيت من طويل خمودٍ ومسحت الجفون بعد هجود

وتطلعت في حماك ، حمى الأمجاد ، ربع العروبة الممدود

عجباً ! أين أين ما وطّدوه

من صروحٍ شمٍ وملك عتيد

وتلمست يا أبا الصيد فيه

أوجه الغرّ من بينك الصيد

الميا من بواقي ((المثنى))

و((المعنّى )) في فيلق ((ابن الوليد))

تتساقى الحتوف دون حماها

وتهزّ السيوف تحت البنود

وإذا أنت لا ترى غير عانٍ

وطليحٍ مجرّحٍ ، وشهيد

البنون البنون صرعى الرزايا

يا قلب الأبوّة المفؤود !

يا لها الله صرخةً منك دوّت

في شعاب وأغورٍ ونجودٍ

يا لها صرخةً أهابت فأحيت

عزماتٍ وطوّحت بقيود

نفخت في بنيك ، فانطلق العاني ، وهبّ الكابي ، وحيّ المودي

وتداعوا من ههنا وهنا ، وانتظموا تحت بندك المعقود

ما تراهم تسايلوا بين عينيك خفاقاً ، من قاهم ونجيد

نفروا نفرة الأبيّ وقد ضيم ، وهبّوا بعزمه المشدود

بعث الهامدون ، آمنت بالبعث ، بآيات يومه المشهود !

يا بني الشرق ، يمّن الله يوماً

قمتم فيه من هوان القعود

أتم الطيبون ، صيّابة العرب ، حماة الحمى ، بقايا الجدود

هو ذا العيد أقبل اليوم محدوّ اً بروح في بردتيه جديد

فيه شيء من اعتزاز قديم

عرفته له خوالي العهود

يوم لعرب مقعد في النجوم الزهر ، يزهو بركنه الموطود

في فؤاد القدس الجريح اهتزاز

لكم رغم جدّه المنكود

انثنى ، موجعاً على الجرح يشدو

ويحيّي أفراحكم في العيد

قام يزجي لكم عذارى القوافي

راقصاتٍ موقّعات النشيد

قدّس الشعر ، إنما الشعر أنّات شقيّ أو أغنيات سعيد!

البداية

 

بعد الكارثة

يا وطني ، مالك يخني على

روحك معنى الموت ، معنى العدم

أمضّك الجرح الذي خانه

أسأته في المأزق المحتدم

جرحك ؛ ما أعمق أغواره

كم يتنزّى تحت ناب الألم

أين الألى استصرختم ضارعاً

تحسبهم ذراك والمعتصم

ما بالهم قد حال من دونهم

ودون مأساتك حسٌ أصم

قلبّت فيهم طرف مستنجد

فعزّك المندفع المقتحم . . .

واخلجتا ! حتّام أهواؤهم

تغرقهم في لجّها الملتطم!!

هم الأنانيون . . قد أغلقوا

قلوبهم دون البلاء الملم

لا روح يستنهض من عزمهم

لا نخوة تحفزهم ، لا همم !

أحنوا رقاب الذل ، يا ضعفهم

واستسلموا للقادر المحتكم

يا هذه الأقدار لا ترحمي

فرائس الضعف ، بقايا الرمم

بالمعول المحموم أهوي على

تلك الجذوع الناخرات الحطم

كوني أتياً عارماً واجرفي

كل ضعيف الروح ، واهي القدم

كوني كما شئت ، لظىً يغتلي

أو عاصفاً يقذف حمر الحمم

واكتسحي أنقاض هذا الحمى

من كل ركن خائرٍ . . منهدم

اكتسحيها وانفضي أمّتي ممّا

علاها من رماد القدم !

ستنجلي الغمرة يا موطني

ويمسح الفجر غواشي الظلم

والأمل الظامىء مهما ذوى

لسوف يروى بلهيب ودم

فالجوهر الكامن في أمتي

ما يأتلي يحمل معنى الضرم

هو الشباب الحر ، ذخر الحمى

اليقظ المستوفز المنتقم

غلّوا جناحيه وقالوا : انطلق

وشارف الأفق وجز بالقمم

واستنهضوه لاقتحام اللظى . .

والقيد ، ياللقيد ، يدمي القدم

لكن للثأر غداً هبّةً

جارفة الهول ، عصوفاً عمم

فالضربة الصماء قد ألهبت

في كل حرٍ جذوةً تضطرم

لن يقعد الأحرار عن ثأرهم

وفي دم الأحرار تغلي النقم !

مع لاجئة في العيد

أختاه ، هذا العيد رفّ سناه في روح الوجود

وأشاع في قلب الحياة بشاشة الفجر السعيد

وأراك مابين الخيام قبعت تمثالا شقيا

متهالكاً ، يطوي وراء جموده ألماً عتيّا

يرنو الى اللاشيء . . منسرحاً مع الافق البعيد

أختاه ، مالك إن نظرت الى الجموع العابرين

ولمحت أسراب الصبايا من بنات المترفين . .

من كل راقصة الخطي كادت بنشوتها تطير

العيد يضحك في محيّاها ويلتمع السرور

أطرقت واجمة كأنك صورة الألم الدفين ؟

أختاه ، أيّ الذكريات طغت عليك بفيضها

وتدّفعت صوراً تثيرك في تلاحق نبضها

حتى طفا منها سحاب مظلم في مقلتيك

يهمي دموعاً أو مضت وترجرجت في وجنتيك

يا للدموع البيض ! ماذا خلف رعشة ومضها؟

أترى ذكرت مباهج الاعياد في (يافا) الجميلة ؟

أهفت بقلبك ذكريات العيد أيام الطفوله؟

اذ أنت كالحسون تنطلقين في زهوٍ غرير

والعقدة الحمراء قد رفّت على الرأس الصغير

والشعر منسدلٌ على الكتفين ، الجديلة ؟

إذ أنت تنطلقين بين ملاعب البلد الحبيب

تتراكضين مع اللّدات بموكب فرح طروب

طوراً الى ارجوحة نصبت هناك على الرمال

طوراً الى ظل المغارس في كنوز البرتقال

والعيد يملأ جوّكن بروحه المرح اللعوب ؟

واليوم ؛ ماذا اليوم غير الذكريات ونارها ؟

واليوم ، ماذا غير قصة بؤسكنّ وعارها

لا الدار دارٌ ، لا ، ولا كالأمس ، هذا العيد عيد

هل يعرف الأعياد أو أفراحها روحٌ طريد

عان ، تقلبّه الحياة على جحيم قفارها ؟

أختاه ، هذا العيد عيد المترفين الهانئين

عيد الألى بقصورهم وبروحهم متنعمين

عيد الألى لا العار حرّكهم ، ولا ذلّ المصير

فكأنهم جثث هناك بال حياة او شعور

أختاه ، لا تبكي ، فهذا العيد عيد الميّتين!

البداية


اتصل بنا - راسلنا

جميع الحقوق محفوظة لدى الدكتور مسعد زياد