اللغة العربية  :: لغة القرآن الكريم

موقع الدكتور / مسعد محمد زياد        رحمة الله
اتصل بنا الكتب السيرة الذاتية الرئيسية

بعض الظروف المقطوعة عن الإضافة لفظا

     من الظروف المختصة بالمكان : الجهات الست ، وهى ظروف مقطوعة عن الإضافة لفظا ، مثل : فوق ، تحت ، يمين ، شمال أو يسار ، أمام أو قدام ، وخلف أو وراء . وهذه الظروف تجري مجرى قبل وبعد . فإن أضيفت أو قطعت عن الإضافة لفظا ، ومعنى كانت معربة . نحو : الكتاب فوق المكتب ، ووقف المدير أمام الطلاب ، وجلست تحت الشجرة  ، وسرت يمينا ، واتجهت شمالا وصليت خلف الإمام ، ويهرب الطلاب من وراء السور .

ومنه قوله تعالى { وهو القاهر فوق عباده }1 .

وقوله تعالى :{ إذ جاءكم من فوقكم }2 ،

وقوله تعالى { إذ يبايعونك تحت الشجرة }3 ،

وقوله تعالى { تجري من تحتها الأنهار}4 ،

وقوله تعالى { بل يريد الإنسان ليفجر أمامه }5 .

" وأمام " في الآية ظرف مكان استعير هنا للزمان ، أي ليفجر فيما بين يديه ، ويستقبله من زمان حياته (6) . وليس في القرآن من " أمام "

سوى هذه الآية . وقوله تعالى { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه }7 .

وقوله تعالى { واتخذتموه وراءكم ظهريا }8 .

وقوله تعالى { ومن ورائه عذاب غليظ }9 .

* فإن قطعت عن الإضافة لفظا لا معنى بنيت على الضم .

نحو : ضع الكتاب فوقُ ، وانزل من فوق ، وقف أمام ، ولا تمش من أمام .

ــــــــــــــــــــــــ

1 ـ 18 الأنعام .     2 ـ 10 الأحزاب .

3 ـ 18 الفتح .      4 ـ 25 البقرة .

5 ـ 5 القيامة .      6 ـ انظر البحر المحيط ج8 ص385 .

7 ـ 42 فصلت .   8 ـ 92 هود . 9 ـ 17 إبراهيم .

 

والتقدير : فوق المكتب ، أو من فوق المكتب ، أو من فوق الشجرة .

فحذفنا المضاف إليه ونوينا معناه .

ومنه قول أبى النجم العجلي :

        موتق الأعـــلى أمين الأســـفل     أقب من تحتُ عريض من عل

الشاهد : " من تحت " فهو مبنى على الضم ، في محا جر ، لأنها قطعت عن الإضافة لفظا لا معنى ، والتقدير : من تحته .

ومنه قول الآخر :

          لعن الإله تعلة بن مسافر    لعنا يشن عليه من قدام

الشاهد : من قدام ، فهو مبنى على الضم ، في محل جر ، لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى ، والتقدير من قدامه .

* وإن انقطعت الظروف السابقة عن الإضافة لفظا ومعنى ، وأردت بها جهة غير   معينة ، قاصدا التنكير والإبهام أعربتها بالنصب . نحو : اتجه يمينا أو شمالا .

أما إن أردت تعيين جهة معينة ، فإنما تعينها بالإضافة ، وتكون معربة بالنصب أيضا . نحو : اتجه يمين المنصة ، وقف يسار المكان .

وقد يكون التعيين بحذف المضاف إليه ، وبناء الظرف على الضم .

نحو : اتجه يمين ، وقف يشار .

ويشبه الظروف السابقة في استعمالها ، ولها نفس أحكامها ، الظروف المكانية التالية : أول ، وأسفل ، ودون . نحو: اجلس أولَ الطلاب ، واجلس أولَ ، وأولُ ، والتقينا عام أولَ ، وسر من أولَ ، واقعد أسفلَ ، وقم من أسفلَ .

ومنه قوله تعالى { قل يحييها الذي أنشأها أول مرة }1 ،

وقوله تعالى { ثم رددناه أسفل سافلين }2 ، وقوله تعالى { والركب أسفل منكم }3 .

ـــــــــــــــــــــــ

1 ـ 79 يس .   2 ـ 5 التين .

3 ـ 42 الأنفال .

 

وقوله تعالى { أإفكا آلهة دون الله تريدون }1 .

وقوله تعالى { ودون الجهر من القول }2 .

* أما أول وأسفل فلهما استعمالان :

1 ـ أن يكونا صفتين على وزن أفعل التفضيل ، وبذلك يمنعان من الصرف للوصفية ووزن أفعل ، لذا لم ينونا ، ويجرا بالفتحة نيابة عن الكسرة ، نحو : وصل محمد أول ، وسر من أسفلَ ، ولقيته عام أولَ .

وأن يكونا اسمين فيصرفان ، نحو : لقيته عاما أولا . ومنه " ما له أول ولا آخر " .  

ــــــــــــــــــــــــ

1 ـ 86 الصافات .

2 ـ 168 الأعراف .

 

معاني ظروف أسماء الجهات وما في حكمها : 

أولا ـ فوق :

ظرف مكان مبهم من أسماء الجهات نقيض " تحت " .

نحو قولهم : القانون فوق الجميع ، والحق فوق الباطل .

ومنه قوله تعالى { ورفعنا بعضكم فوق بعض درجات }1 ،

وقوله تعالى { واضربوا فوق الأعناق }2 .

ولها أحكام " بعد " ، فهي معربة في ثلاثة أحوال ، وبنية في حالة واحدة .

 

ثانيا ـ تحت :

ظرف مكان مبهم من أسماء الجهات نقيض " فوق " ولازم النصب على الظرفية الظاهرة ، أو المقدرة في حالة البناء .

كقوله تعالى { وأعد لهم جنات تجرى تحتها الأنهار }3 .

كقوله تعالى { فنادها من تحتها ألاّ تحزني قد جعل ربك تحتك سريا }4 .

ولها أحكام قبل وبعد .

 

ثالثا ـ يمين :

ظرف مكان مبهم من أسماء الجهات نقيض " شمال " وله أحكامه ، وأحكام " قبل وبعد "

نحو : جلست يمين الصف ، وسرت يمينا ، ودخلت من يمينُ .

ــــــــــــــــــــــــ

1 ـ 32 الزخرف .      2 ـ 12 الأنفال .

3 ـ 100 التوبة .      4 ـ 24 مريم .

 

رابعا ـ شمال أو يسار :

ظرف مكان مبهم من أسماء الجهات نقيض " يمين " ، ويدل على أن شيئا على شمال شيء آخر ، وهو ملازم للإضافة غالبا ، ويكون معربا ، ومبنيا ، وله أحكام قبل وبعد ، فيكون معربا في ثلاثة أحوال هي :

إذا كان مضافا ، نحو : وقفت شمال الحائط .

وإذا حذف المضاف إليه ونوى لفظه ، نحو : هذه منصة فاجلس شمالَ .

أي شمالها .

ونحو : هناك جدار سر من شمالِ . أي من شماله .

وإذا حذف المضاف إليه لفظا ومعنى ، وفى هذه الحالة يجب تنوينها .

نحو : قف شمالا ، وسر يمينا .

ويبنى في حالة واحدة وهى : أن يقطع عن الإضافة معنى ، ولم ينو لفظ المضاف إليه . نحو : اجلس شمالُ ، وادخل من شمالُ .

" فشمال " ظرف مكان مبنى على الضم ، في محل نصب متعلق بالفعل قبله .

 

خامسا ـ أمام وقدام :

ظرف مكان مبهم من أسماء الجهات يدل على أن شيئا قدام شيء ، ولها أحكام قبل وبعد ، وفوق وتحت ، وشمال .

نحو : وقفت أمام البابِ ، ومشيت من أمامِكم ، واجلس أمامَ، وقف أماما ، وامش  أمامُ . 

 

سادسا ـ خلف أو وراء :

ظرف وكان مبهم من أسماء الجهات نقيض " أمام " وله إعرابه ، كالآتي :

* إذا ذكر بعده المضاف إليه كان معربا منصوبا ، وقد يجر بمن .

نحو : وقفت خلف الطلاب ، وسرت من خلفهم .

ومنه قوله تعالى { وجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها }1 .

وقوله تعالى { فشرد بهم من خلفهم }2 .

* إذا حذف المضاف إليه ونوي لفظه كان معربا منصوبا غير منون .

دخل الطلاب ودخل المعلم خلفُ .

* ويعرب أيضا إذا جرد من الإضافة لفظا ومعنى ، وفى هذه الحالة يكون منونا .

نحو : وقف الجمهور يشع لاعبيه خلفا وأماما .

* ويبنى في حالة واحدة ، وذلك إذا حذف المضاف إليه ونى معناه ، ويكون بناؤه على الضم . نحو : هاجم الجنود العدو من أمامُ ومن خلفُ .

 

سابعا ـ أول :

ظرف زمان بمعنى " قبل " وله أحكامها ، فيكون معربا منصوبا بالفتحة إذا أضيف .

نحو : وصلت من السفر أول الصباح .

ومنه قوله تعالى { كما لو يؤمنوا به أول مرة }3 .

وكذا إذا حذف المضاف إليه ونوى لفظه ، يعرب نصبا بالفتحة بدون تنوين .

نحو : تسابق الطلاب فجاء محمد أولَ .

ويعرب إذا حذف المضاف إليه كلية ، " لفظا ومعنى " فينصب وينون .

نحو : جئت أولاً . نحو : حضرت أولُ .

ويبنى على الضم إذا حذف المضاف إليه ونوى معناه .

* ويأتي أول اسما بمعنى مبدأ الشيء ، ويعرب حسب موقعه من الجملة .

نحو : القطر أول الغيث . " القطر " مبتدأ مرفوع ، وأول : خبره مرفوع .

* ويأتي اسم تفضيل فيمنع من الصرف ، كما ذكرنا سابقا .

ـــــــــــــــــــــــ

1 ـ 66 البقرة .     2 ـ 57 الأنفال .

3 ـ 110 الأنعام .

 

ثامنا ـ أسفل :

ظرف مكان له أحكام أول ، وقبل وبعد .

 

تاسعا ـ دون :

ظرف مكان منصوب كثيرا ، وقد يجر بمن ، وهو بمعنى " وراء أو أمام " .

نحو : جلست دون النافذة ، والقلم دونك ، والماء دونك .

وهي نقيض فوق ، نحو : القماش دون المستوى في الجودة .

أي : أحط منه رتبة ومنزلة .

ونحو : جلس محمد دون خالد ، أي في مكان منخفض عن مكانه .

ولدون أحكام قبل وبعد ، وأسفل وأول وأمام وخلف ... إلخ .

فتعرب في حالات وتبنى في حالات ، أما الإعراب ففي الحالات التالية :

1 ـ إذا ذكر المضاف إليه ، نحو قوله تعالى { ومنا دون ذلك }1 .

وقوله تعالى { واذكر ربك في نفسك تضرعا وخفية ودون الجهر من القول }2 .

" فدون " في الآيتين السابقتين ظرف مكان منصوب بالفتحة الظاهرة متعلق بالفعل .

2 ـ إذا حذف المضاف إليه ونوى لفظه ينصب بدون تنوين .

نحو : هذا منزلي انتظرني دونَ .

" فدون " ظرف مكان منصوب بالفتحة ، والتقدير دونه ، وهو متعلق بالفعل  انتظرني .

3 ـ إذا حذف المضاف إليه لفظا ومعنى ، ينصب مع التنوين .

نحو : قف دونا ، وانتظر دونا . " دون " مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة .

4 ـ إذا جر بالحرف ولم ينوى معنى المضاف إليه ، وجب جره بالكسرة الظاهرة .

نحو : بعض الحيوانات تمكث طويلا من دون طعام .

ـــــــــــــــــــــ

1 ـ 11 الجن .    2 ـ 205 الأعراف .

وتبنى على الضم إذا حذف المضاف إليه لفظا ونوى معناه .

نحو : قف دونُ ، واقعد دونُ .

" دون " ظرف مكان مبنى على الضم في محل نصب متعلق بالفعل .

ونحو : اجلس من دون ، وسر من دون .

" دون " ظرف مكان مبنى على الضم في محل جر بكسرة مقدرة متعلق بالفعل .

* وتأتى أيضا بمعنى حقير ، وفى هذه الحالة تكون اسما لا ظرفا .

نحو : ثوب دون ، ورجل دون ، أي حقير .

 

أحكام بعض الظروف المشتركة في الزمان والمكان : 

أولا ـ أنىَّ :

اسم استفهام مبنى على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية ، ويكون بمعنى

" من أين " . نحو قوله تعالى { يا مريم أنى لك هذا }1 .

وبمنى " كيف " لإفادة الحال ، نحو قوله تعالى { أنى يحيي هذه الله بعد موتها }2 .

وقوله تعالى { أنى يكون لي غلام }3 .

وبمعنى " متى " نحو قوله تعالى { أنى كان لك قرين }4 .

* وتجيء " أنى " ظرفا غير متضمن معنى الاستفهام ، أو الشرط ، بمعنى " كيف أو متى أو حيث " أو " من أين " .

نحو قوله تعالى { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم }5 .

فسر العلماء هذه الآية بقولهم : كيف شئتم ، ومتى شئتم ، وحيث شئتم ، ومن أين شئتم ، على أن يكون في الموضع المرخص به شرعا .

* وتأتى " أنى " اسم شرط بمعنى " أين " مبنية على السكون في محل نصب على الظرفية ، يجزم فعلين ويتعلق بفعله إذا كان تاما ، وبالخبر إذا كان الفعل ناقصا .

مثال الأول : أنى تدعُ الله تجده سميعا .

ومثال الثاني : أنى تكن مقيما فسوف أحضرُ لزيارتك .

" فأنى " في المثال الأول اسم شرط متضمن معنى الظرفية المكانية ، مبنى على السكون في محل نصب متعلق بالفعل تدعو ، وفي المثال الثاني : اسم شرط متضمن معنى الظرفية المكانية مبني على السكون في محل نصب متعلق بخبر تكن وهو " مقيما " .

ـــــــــــــــــــــــ

1 ـ 37 آل عمران .   2 ـ 259 البقرة .

3 ـ 40 آل عمران .   4 ـ 51 الصافات .

5 ـ 223 البقرة .

 

ثانيا ـ لدى :

ظرف جامد يفيد المكان أو الزمان ، وذلك حسب ما يضاف إليه ، مبنى على السكون في محل نصب ، بمعنى عند ، ولا يأتي مجرورا بن ، ولا يضاف إلى الجمل ، وتقلب ألفه ياء مع الضمير ، كما تقلب ألف " على وإلى " .

مثال مجيئه ظرفا للمكان قوله تعالى { كل حزب بما لديهم فرحون }1 .

وقوله تعالى { وألفيا سيدها لدى الباب }2 .

ومنه قول زهير :

          لدى أسد شاكى السلاح مقذف     له لبـد إظـفاره لم تقلـــمِ

ومثال مجيئه ظرفا للزمان ، وحينئذ تكون بمعنى " الحين " :

سأزورك لدى عودتي .

* يصح في " لدى " أن تتعلق بمحذوف خبر ، أو صفة ، أو حال ، أو صلة ، وذلك بخلاف " لدن " . نحو : الكتاب لدى محمد . " لدى " متعلقة بمحذوف خبر للكتاب .

ونحو : رأيت رجلا لدى الباب . " لدى " متعلقة بمحذوف صفة لرجل .

ونحو : تركت محمدا لدى الباب . " لدى " متعلقة بمحذوف حال .

ونحو : وصل الذي لديه الخبر . " لدى " متعلقة بمحذوف صلة .

والتقدير : الذي يوجد لديه الخبر .

* وإن كانت " لدى " بمعنى " عند " إلا أنها تختلف عنها بعد م جرها بالحرف .

تقول : أحضرت الكتاب من عند محمد ، ولا يصح أن تقول : من لدى محمد .

كما أن " عند " أمكن منها من وجهين :

ــــــــــــــــــــــــ

1 ـ 53 المؤمنون .      2 ـ 25 يوسف .

 

1 ـ أن " عند " تكون ظرفا للأعيان والمعاني .

تقول : هذا الرأي عندي صواب ، وعندي فلان عالم .

ويمتنع ذلك في " لدى " (1) .

2 ـ تقول : عندي مال ، وإن كان غائبا عنك .

ولا تقول : لديَّ مال ، إلا إذا كان حاضرا (2) .

 

ثالثا ـ لدن :

ظرف للمكان أو الزمان ، وذلك حسب ما تضاف إليه ، وهو لابتداء الغاية ، مبني على السكون ، بمعنى " عند " ، إلاّ أنها أقرب مكانا ، وأخص منها ، وتكون غالبا مجرورة بمن ، وهو من الظروف المضافة لفظا ومعنى .

نحو قوله تعالى { وهب لنا من لدنك رحمة }3 .

وقوله تعالى { وعلمن من لدنا علما }4 .

وقوله تعالى { من لدن حكيم خبير }5 .

" فلدن " في الأمثلة السابقة مضافة إلى الاسم الظاهر والضمير ، وتضاف أيضا إلى الجملة ، كما في قول القطامي :

    صريع غـوان راقهن ورقنـه     لدى شب حتى شاب سود الذوائب

ومثال نصبها على الظرفية الزمانية : ذهبت إلى المدرسة لدن طلوع الشمس .

* وإذا أضيفت إلى ياء المتكلم ، جاز أن تلحقها نون الوقاية .

نحو : لدنُّي . وقد تحذف النون فنقول : لدنُي .  

ــــــــــــــــــــــــ

1 ، 2 ـ انظر أمالي ابن الشجري ج ص

3 ـ 8 آل عمران .      4 ـ 65 الكهف .

5 ـ 1 هود .

 

* ويجوز حذف نونها ، مثلما تحذف نون كان للتخفيف ، فنقول : لدُ .

والاسم الذي يليها يجر بالإضافة .

* وإن تلاها ظرف زمان جاز جره بالإضافة ، أو نصبه على التمييز .

نحو : وصلت من السفر لدن غدوةٍ ، أو لدن غدوةً .

* وتفارق " لدن " " عند " بستة أمور هي :

1 ـ أنها ملازمة لمبدأ الغايات ، فمن ثم يتعاقبان .

نحو قوله تعالى { أتيناه رحمة من عندنا وعلمنه من لدنا علما }1 .

بخلاف جلست عنده ، فلا يجوز أن تقول : جلست لدنه ، لعدم معنى الابتداء هنا .

2 ـ قلما يفارقها لفظ " من " قبلها .

3 ـ أنها مبنية إلاّ في لغة قيس ، وبلغتهم قرئ قوله تعالى { من لدْنِهِ } .

وهى عندهم مضمومة الدال ، غير أن هذا السكون عارض للتخفيف .

4 ـ جواز إضافتها إلى الجمل كما تقدم .

5 ـ جواز قطعها عن الإضافة لفظا ومعنى ، قبل " غدوة " ، وتنصب بها غدوة ، إما على التمييز ، كما ذكرنا سابقا ، وإما على التشبيه بالمفعول به ، أو خبر لكان المحذوفة مع اسمها ، وقد تجر " غدوة " بالإضافة إلى " لدن " .

كقول الشاعر :

        وما زال مهري مزجر الكلب منهم     لدن غدوةٍ حتى دنت لغروب

6 ـ لا تقع إلا فضلة ، تقول : السفر من عند دمشق ، ولا تقول : من لدن دمشق .

وتفارق " لدن " " لدى " بخمسة أمور :

1 ـ أن لدن تحل محل ابتداء غاية .

نحو : جئت من لدنه . وهذا لا يصح في لدى .

ــــــــــــ

1 ـ 65 الكهف .

 

2 ـ أن لدن لا يصح وقوعها عمدة في الكلام ، فلا تكون خبرا لمبتدأ ، وما شابه ذلك ، بخلاف لدى ، فإنه يصح فيها ذلك .

نحو : لدينا مال وفير ، ولدينا كنز من العلوم .

3 ـ أن لدن كثيرا ما تجر بمن ، بخلاف لدى فإن جرها ممتنع .

4 ـ أن لدن تضاف إلى الجملة ، نحو : لدن حضرت ، ولدن وصلت .

وهذا ممتنع في لدى .

5 ـ إن وقعت لدن قبل غدوة ، جاز في غدوة عدة وجوه .

الجر بالإضافة ، أو النصب على التمييز ، أو ما يشبه المفعول به ، أم خبر لكان المحذوفة مع اسمها ، أو الرفع على تقدير : لدن كانت غدوةٌ .

 

رابعا ـ قبل وبعد :

        ظرفان مبهمان إحداهما نقيض الآخر ، وضعا في الأصل من قبل الجهات الست الموضوعة لأمكنة مبهمة ، ثم استعيرتا لزمان مبهم سابق على زمان ما أضيفتا إليه ، ويكونان بحسب الإضافة إليهما ، فإن أضيفا للمكان ، كانتا ظرفي مكان ، وإن أضيفتا للزمان ، كانت ظرفي زمان . نحو : مكة قبل الطائف ، والرياض بعد مكة .

ونحو : وصلت من السفر قبل الظهر ، ورحلت عن المدينة بعد العصر .

* تأتى قبل وبعد معربتين في ثلاث حالات ، ويبنيان في حالة واحدة .

1 ـ يعربان ظرفا منصوبا ، أو مجرورا ، إذا سبقهما حرف جر ، وكانتا مضافتين لفظا ومعنى ، وقد صُرح بالمضاف إليه .

نحو : سافرنا قبل العشاء ، ووصلنا بعد الفجر ، أو من قبل العشاء ، ومن بعد

الظهر ، ومنه قوله تعالى { ألا ليؤمن به قبل موته }1 .

ــــــــــــ

1 ـ 59 النساء .

 

وقوله تعالى { وسبح بمحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها }1 .

وقوله تعالى { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد }2 .

وقوله تعالى { من قبل صلاة الفجر }3 .

وقوله تعالى { يردوكم بعد إيمانكم كافرين }4 .

وقوله تعالى { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة }5 .

2 ـ ويعبان ظريفين نصبا أو جرا ، إذا حذف المضاف إليه ونوى لفظه .

نحو : جئت قبلَ ، أو من قبلِ . وجئت بعدَ ، أو من بعدِ .

والتقدير : قبله ، أو من قبله ، وبعده ، أو من بعده .

ومنه قول الشاعر :

      ومن قبلِ نادى كل مولى قرابة     فما عطفت مولى عليه العواطف

الشاهد : ومن قبلِ ، فقد حذف المضاف إليه ، ونوى لفظه ، فأعربت " قبل " مجرورة بالكسرة ، والتقدير : ومن قبلِ ذلك .

3 ـ ويعربان ظرفين منصوبين مع التنوين ، إذا قطعا عن الإضافة لفظا ومعنى .

نحو : جئتك قبلا ، وما ضره أن يأتي قبلا أو بعدا .

ومنه قول يزيد بن الصعق :

         فساغ لي الشراب وكنت قبلا    أكاد أغص بالماء الحميم (6)

وقول الآخر :

        ونحن قتلنا الأسد أسد خفية     فما شربوا بعدا على لذة خمرا  

ـــــــــــــــــــــــ

1 ـ 130 طه . 2 ـ 34 الأنبياء . 3 ـ 58 النور .

4 ـ 100 آل عمران .  5 ـ 4 البينة .

6 ـ ونسب البيت في رواية أخرى إلى عبد الله بن يعرب ، وهى :

            " أكاد أغص بالماء الفرات "

 

والشاهد في البيتين قوله : قبلا ، وبعدا ، فقد نصبا مع التنوين ، لانقطاعهما عن الإضافة لفظا ومعنى ، والتقدير : قبلا ما ، وبعدا ما .

* ويبنيان على الضم إذا قطعا عن الإضافة لفظا ونوى معناه ، والمقصود بنية   المعنى ، أن نلاحظ المضاف إليه مُعبَّرا عنه تعبيرا ما ، دون الالتفات إلى لفظ   بعينه ، ويمون البناء واقعا ، سواء أجر بمن أم لا .

نحو قوله تعالى { وحرمن عليه المراضع من قبلُ }1 .

وقوله تعالى { لله الأمر من قبلُ ومن بعدُ }2 .

ونحو قوله تعالى { إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين }3 .

وقوله تعالى { فإما منّا بعد وإما فداء }4 .

مع ملاحظة أن " قبل وبعد " في الآيتين الأخيرتين لم يسبقا " بمن " الجارة .

 

خامسا ـ مع :

ظرف ملازم للظرفية الزمانية أو المكانية ، وذلك حسب ما تضاف إليه ، ويكون منصوبا بالفتحة ، ويفيد المصاحبة ، ولا يخرج عنها إلا إلى الجر " بمن" .

نحو : جئتك مع العصر ، ومنه قوله تعالى { إن مع العسر يسرا }5 .

58 ـ وقوله تعالى { وكونوا مع الصادقين }6 .

ومنه قوله تعالى { وتوفنا مع الأبرار }7 .  

ـــــــــــــــــــــــ

* لرجل من بنى عقيل ، وروى أيضا : فما شربوا بعدُ .

1 ـ 12 القصص .     2 ـ 4 الروم .

3 ـ 46 الطور .      4 ـ 4 الروم .

5 ـ 6 الشرح .       6 ـ 119 التوبة .

7 ـ 193 آل عمران .

 

* وقد تبنى " مع " على السكون وذلك في لغة غنم وربيعة ، فتكون في محل نصب .

وذكر سيبويه أن تسكينها ضرورة شعرية ، مثل " هل ، وبل " ، والصحيح أنها لغة .

* وذكر المالقي أن " مع " إذا سكنت عينها ، فهي إذ ذاك حرف جر معناه  المصاحبة ، والعامل فيها فعل ، وما جرى مجراه ، كسائر حروف الجر ، ولا يحكم فيها بحذف ، ولا وزن ، ولا يُسأل عن بنائها لتبوث الحرفية فيها ، ومثّل بشاهد سيبويه :

         فريشي منكم وهوايَ مَعْكم     وإن كانت زيارتكم لماما

 وقال : " مَعْكم " هنا جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر " لهواى " لأنه مبتدأ .

والتقدير : وهواي كائن معكم (1) .

والرأي عندي : أن بناءها على السكون لا يدخلها في الحرفية ، لأن أكثر النحاة على القول باسميتها ، ولم يذكروها مع حروف الجر ، ولو كان تسكينها يجعلها حرفا لذكروها ضمن الحروف التي تشترك بين الحرفية والاسمية ، والله أعلم .

أما أبو علي الفارسي فحكم عليها بالحرفية إذا سكنت .

* وقال المرادي : واختلف في " مع " الساكنة ، فقيل : هي حرف جر ، وزعم أبو جعفر النحاس أن الإجماع منعقد على حرفيتها ، إذا كانت ساكنة .

والصحيح أنها اسم ، وكلام سيبويه مشعر باسميتها ، بدليل دخول حرف الجر " من "

عليها ، وقد سمع جرها بمن ، حكى سيبويه : ذهب من معه (2) .

وقرئ قوله تعالى { هذا ذكر من معي }3 . والتقدير : من قِبَلي (4) .

ومنه  " كان معها فانتزعْته مِنْ مَعِها " (5) .

ـــــــــــــــــــــــ

1 ـ انظر رصف المباني ص 394 . 2 ـ الكتاب طبعة بولاق ج2 ص 45 .

3 ـ 24 الأنبياء .   4 ـ الجني الداني ص 306 .

5 ـ انظر لباب الإعراب ص 287 .

 

* وقد تقع " مع " خبرا ، وصفة ، وصلة ، وحالا ، وتجر بمن كما ذكرنا (1) .

* وإذا انقطعت " مع " عن الإضافة ، أعربت حالا منصوبة مع التنوين .

نحو : جاء الرجلان معا ، ووصل المسافران معا .

ومنه قول الصمة القشيرى :

           حننت إلى ريا ونفسك باعدت    مزارك من ريا وشعباكما معا

23 ـ ومنه قول امرئ القيس :

          مكر مفر مدبر مقبل معا     كجلمود صخر حطه السيل من عل

* وقد تجيء خبرا كما ذكرنا ، ومنه قول جندل بن عمر :

         أفيقوا بنى حرب وأهواؤنا معا    وأرواحنا موصولة لم تقضب

" فمع " خبر المبتدأ " أهواؤنا " ، وقال بعضهم أن " معا " في البيت السابق وقعت حالا ، والخبر محذوف ، والتقدير : وأهواؤنا كائنة معا ، وليس بصحيح (2) .

* وتستعمل " مع " للمثنى ، وللجماعة .

نحو : سافر الصديقان معا ، وسافر الأصدقاء معا .

ومنه قول الخنساء :

          وأفنى رجالي فبادوا معا    فأصبح قلبي بهم مستفزا

ومثال مجيئها للمثنى قول متمم بن نويرة :

         فلما تفرقنا كأني ومالكا    لطول اجتماع لم نبت ليلة معا

* والفرق بين " مع " و " وجميعا " في مثل قولنا : وصلنا معا ، ووصلنا جميعا .

أن " معا " يفيد أن وقت الوصول واحد ، بخلاف " جميعا " فهو يحتمل أن الوصول 

ــــــــــــــــــــــــ

1 ـ الجني الداني ص 306 . ومغنى اللبيب ج 1 ص 333 .

2 ـ انظر الجني الداني ص 307 .

 

لم يكن في وقت واحد ، بمعنى أن " جميعا " يجوز فيها معنى الاجتماع والافتراق ، أما " معا " فلا تفيد إلا لاجتماع حالة الفعل (1) .

 

سادسا ـ علُ :

ظرف مبنى على الضم في محل نصب على الظرفية المكانية ، بمعنى " فوق " ، ولا يستعمل إلا مسبوقا " بمن " ، ولا يضاف لفظا على الصحيح .

فلا يقال أخذته من علِ المكتب .

* أجاز قوم إضافته ، فإذا قدر بعده مضاف إليه ، كان مبنيا على الضم في محل جر ، إذا سبقه حرف الجر نحو : انقض النسر من علُ . أي من فوق شيء معين مخصوص.

24 ـ ومنه قول الفرزدق :

          ولقد سددت عليك كل ثنية     وأتيت نحو بنى كليب من علُ

* وإذا جاء نكرة ولم يقدر بعده مضاف إليه ، وسبقه حرف جر ، يكون إذ ذاك معربا صفة لموصوف محذوف . كقول امرئ القيس السابق :

     مكـر مفـر مقبل مـدبر معا    كجلمود صخر حطه السيل من علِ

والتقدير : حطه السيل من مكان عال ، على سبيل الاستغناء بالصفة عن موصوفها .

ومنه قول جرير :

        إني انصببت من السماء عليكم     حتى اختطفتك يا فرزدق من علِ

* وتخالف " عل " " فوق " في أمرين :

1 ـ أمها لا تستعمل إلا مسبوقة " بمن " الجارة .

2 ـ أنها لا تضاف على الصحيح كما ذكرنا .

ثامنا ـ كيف وكيفما : انظرها في باب الاستفهام .

ــــــــــــــــــــــ

1 ـ المرجع السابق ص 307 ، وانظر معجم القواعد العربية ص 439 .

 

تنبيهات وفوائد

 

1 ـ ذكرنا أنه لا بد في ظرفي الزمان والمكان من أن يتضمنا " في " ، إلا أن ذلك يختلف بين نوعين من الظروف ، فنوع تقدر فيه " في " تقديرا مباشرا ، وهذا النوع يشمل ظروف الزمان غير المبنية، وظروف المكان غير المقادير .

نحو : سافرت يوم الخميس ، أي في يوم الخميس .

وجلست قرب المدفأة ، أي في مكان قرب المدفأة .

ونوع لا تقدر فيه " في " تقديرا مباشرا ، بل بتأويل ، وهذا النوع من الظروف يشمل ظروف الزمان المبنية ، وظروف الأماكن الدالة على المقادير .

فالظرف " إذا " مثلا مبنى لتضمن معنى " من " لذلك يكون تقدير " في " فيه غير مباشر . فإن قلنا : إذا أتيحت لي الفرصة فسوف أزورك .

كان التقدير : إن أتيحت لي الفرصة في أي وقت فسوف أزورك .

وكذا الحال في بقية الظروف المبنية : إذ ، ومتى ، وأيان ، ومذ ، ومنذ .

ومثال الظروف الدالة على المقادير قولنا : مشيت كيلا أو فرسخا .

والتقدير : مشيت في مكان يقدر بكيل أو فرسخ .

2 ـ إذا كان الفعل مما ينقضي شيئا فشيئا ، وجب إظهار " في " مع ظرف الزمان .

نحو : حفظت القصيدة في ثلاثة أيام ، وقطعت المسافة في ساعتين .

3 ـ إذا كان ظرف الزمان و المكان غير متضمنين معنى " في " كان حكمهما كحكم الأسماء المنصرفة ، فيكونان مبتدأ أو خبرا أو فاعلا أو مفعولا ، وذلك حسب موقعهما من الجملة ، كما ذكرنا سابقا .